حوارات عقائدية معاصرة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٣ - تعريف العبادة وتحديد معناها
يديه، فتقف أو تقعد ساعة أو فوقها، ولا يكون ذلك منك عبادة له، لماذا؟ لأنّه لم يقارن هذا الفعل منك اعتقاد شيء من خصائص الربوبية فيه. وتقف في الصلاة قدر الفاتحة وتجلس فيها قدر التشهد وهو قدر دقيقة أو دقيقتين فيكون ذلك منك عبادة لمن صلّيتَ له، وسرّ ذلك هو أنّ هذا الخضوع المتمثل في قيامك وقعودك يقارنه اعتقادك الربوبية لمن خضعتَ له عزّ وجلّ.
وتدعو رئيسك في عمل من الأعمال أو أميرك أن ينصرك على باغ عليك، أو يغنيك من أزمة نزلت بك وأنت معتقد فيه انّه لا يستقل بجلب نفع أو دفع ضرّ، ولكنّ اللّه جعله سبباً في مجرى العادة يقضي على يديه من ذلك ما يشاء تفضّلاً منه سبحانه، فلا يكون ذلك منك عبادة لهذا المدعوّ، وأنت على ما وصفنا، فإن دعوتَه وأنت تعتقد فيه أنّه مستقل بالنفع، أو الضرّ، أو نافذ المشيئة مع اللّه لا محالة، كنت له بذلك الدعاء عابداً، وبهذه العبادة أشركته مع اللّه عزّ وجلّ، لأنّك قد اعتقدت فيه خصيصة من خصائص الربوبية، فإنّ الاستقلال بالجلب أو الدفع ونفوذ المشيئة لا محالة هو من خصائص الربوبية، والمشركون إنّما كفروا بسجودهم لأصنامهم ونحوه لاعتقادهم فيها الاستقلال بالنفع، أو الضرّ ونفوذ مشيئتهم لا محالة مع اللّه تعالى، ولو على سبيل الشفاعة عنده، فانّهم يعتبرونه الربّ الأكبر ولمعبوداتهم ربوبية دون ربوبيته، وبمقتضى ما لهم من