دلائل النبوة - الأصبهاني، أبو نعيم - الصفحة ٢٣٠
فصل قال الواقدي فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة اجتمعت قريش أن يجهزوا عيرا إلى الشام بتجارات وأموال عظام وأجمع أبو طالب المسير في تلك العير فلما تهيأ له المسير أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشخص معه فرق عليه أبو طالب فكلمه عمومته وعماته وقالوا لأبي طالب مثل هذا الغلام لا تخرج به تعرضه للأرياف وإن والأوباء كما فهم أبو طالب بتخليفه فرآه يبكي فقال ما لك يا ابن أخي لعل بكاءك من أجل أني أريد أن أخلفك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم فقال أبو طالب فإني لا أفارقك أبدا فاخرج معي فخرج معه فلما نزل الركب بصرى من الشام وبها راهب يقال له بحيراء في صومعته وكان علماء النصارى يكونون في تلك الصومعة قبل ذلك لا يكلمهم حتى كان ذلك العام فنزلوا قريبا من صومعته فصنع لهم طعاما ودعاهم وإنما حمله على ذلك أنه رآهم حين طلعوا وغمامة تظل رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم حتى نزلوا تحت الشجرة ثم نظر إلى تلك الغمامة قد أظلت الشجرة واخضرت أغصان الشجرة على النبي صلى الله عليه وسلم حتى استظل فلما رأى ذلك بحيراء نزل من صومعته وأمر بذلك الطعام فأتي به وأرسل إليهم يا معشر قريش إني قد صنعت لكم طعاما فأنا أريد أن تحضروه ولا تخلفوا منكم صغيرا ولا كبيرا ولا حرا وعبدا فإن هذا شئ تكرمونني به فقال رجل من القوم إن لك لشأنا اليوم يا بحيراء ما كنت تصنع بنا مثل هذا فما شأنك اليوم فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم لحداثة سنه ليس في القوم أصغر منه يبصر رحالهم تحت الشجرة فلما نظر بحيراء إلى القوم جعل ينظر فلا يرى الغمامة على أحد من القوم ويراها متحلقة على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خيرا يا معشر قريش قالوا ما تخلف أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنا في رحالنا قال ادعوه فليحضر طعامي فقام الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف فقال والله إن كان بنا للوم أن يتخلف ابن عبد المطلب من بيننا ثم قام إليه فاحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام والغمامة تسير على رأسه وانقلعت الشجرة من أصلها حين فارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل بحيراء يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته فلما تفرقوا عن طعامهم قام إليه بحيراء فقال يا غلام أسألك بحق اللات والعزى ألا أخبرتني