السعادة - المحمودي، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٦٨ - ومن كلام له عليه السلام لما بلغه مبايعة عمرو بن العاص معاوية بطعمة مصر (١)
حتى الرعاة، فلما بلغه إنه محصور قال: (العير يضرط والمكواة في النار) (٢٠) ثم بلغه قتله فقال: أنا أبو عبد الله أني إذا حككت قرحة أدميتها - أو قال: نكأتها -.
ثم دعا أبنيه عبد الله ومحمدا فقال: ماتريان ؟ فقال له عبد الله: قد سلم (لك) دينك وعرضك الى اليوم، فأقعد بمكانك.
وقال له محمد بن عمرو أخملت نفسك وأمط ذكرك فأنهض مع الناس في أمرهم هذا، ولا ترض بالدنية في العرب، فدعا (عمرو وردان مولاه فأمره بأعداد ما يحتاج إليه، وشخص الى معاوية، فكان معه (وهو) لا يشركه في أمره، فقال له (عمرو:) أني قصدت اليك وأنا أعرف موضع الحق، لتجعل لي في أمرك هذا حظا أذا بلغت ارادتك، ولأن تشركني في الرأي والتدبير.
فقال له (معاوية): نعم ونعمت عين قد جعلت لك ولاية مصر (٢١) فلما خرج من عند معاوية قال لأبنيه: قد جعل لي ولاية مصر.
فقال له محمد إبنه: وما مصر في سلطان العرب ؟ فقال: لا أشبع الله بطن من لم تشبعه مصر.
* (هامش) هذه من الأمثلة الشائعة بين العرب تضرب لمن يجزع ويضطرب قبل وقوع ما يتوقعه من المكاره والشدائد، ومثله في اللغة الفارسية قولهم: (بيش أز مرگ واويلاه ميكند) وهذا مذموم ومورد أستعجاب صدوره من الأكابر، وذلك لأن العير - وهو الأبل أو الحمار - إذا يداوي جرحه بالكي فبمجرد وصول المكواة الى الجراجة وإحساس شدة حرارة المكواة تختل ما سكته فيضرط ويخرج ما في جوفه من الأرياح وأما قبل الكي وفي حال كون المكواة في النار فأنه يضبط نفسه، بخلاف الأنسان الجزوع الجبان فأنه يجود بنفسه وتختل قواه وحسه بمجرد وضع المكواة في النار كي يكوى بها.
(٢١) قد عرفت وستعرف أيضا إنه لم يجبه الى أعطاء مسؤوله إلا بعد تشاح ومكايدة كل منهما لصاحبه، ففي العبارة تسامح.