السعادة - المحمودي، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٤٥٥ - ومن كلام له عليه السلام في صفة المتقين ونعت الكملين من شيعته، وهو من غرر كلمه عليه السلام المروية من طرق ووجوه كثيرة (١)
أما بعد فإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه خلق خلفه، فألزمهم عبادته وكلفهم طاعته، وقسم بينهم معايشهم ووضعهم في الدنيا بحيث وضعهم [كذا]، وهو في ذلك غني عنهم لا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضره معصية من عصاه منهم، لكنه تعالى علم قصورهم عما تصلح عليه شؤنهم وتستقيم به دهماؤهم في عاجلهم وآجلهم، فارتبطهم بإذنه في أمره ونهيه [٥] فأمرهم تخييرا وكلفهم يسيرا، وأثابهم كثيرا، وأماز سبحانه بعدل حكمه وحكمته بين المؤجف من أنامه إلى مرضاته ومحبته، وبين المبطئ عنها [٦] والمستظهر على نعمته منهم بمعصيته، فذلك قول الله عزوجل: أم حسب الذين
[٥] دهماؤهم: جماعتهم وبنو نوعهم.
وارتبطهم في أمره ونهيه: أوثقهم وشدهم.
والمراد من الاذن - هنا - العلم، أي إنه تعالى بحكمته وعلمه شد عباده بأوامره ونواهيه كيلا يطغوا ولا يوقعوا أنفسهم في الهلاكة، كما يربط ويوثق الدابة الجموح لكي لا يهلك نفسها وغيرها.
[٦] يقال: " ماز يميز ميزا، وميز وأماز الشئ ": فرزه عن غيره، ووسمه بعلامة تعرف بها عن غيره.
والموجف: المسرع.
والمبطئ: خلافه، أي إن الله تعالى بحكمه العدل وحكمته البالغة فرق بين المسارعين إلى طاعته وبين المبادرين إلى معصيته، وعلم جباه كل واحد من الفريقين بعلامة، فيعرف المجرمون بسيماهم، فينادون: " وامتازوا اليوم أيها المجرمون ".