السعادة - المحمودي، الشيخ محمد باقر - الصفحة ١٥٨ - ومن كلام له عليه السلام قاله لابي ذر الغفاري رحمه الله حين سفّره مروان بأمر عثمان إلى الربذة
يغير ما ترى وهو كل يوم في شأن [٧] إن القوم منعوك دنياهم ومنعتهم دينك، فما أغناك عما منعوك، وما أحوجهم إلى ما منعتهم، فعليك يالصبر فإن الخير في الصبر، والصبر من الكرم، ودع الجزع فإن الجزع لا يغنيك.
ثم تكلم عمار رضي الله عنه، فقال: يا أبا ذر أوحش الله من أوحشك، وأخاف من أخافك، إنه والله ما منع الناس أن يقولوا الحق إلا الركون إلى الدنيا والحب لها، إلا انما الطاعة مع الجماعة [٨] والملك لمن غلب عليه، وإن هؤلاء القوم دعوا الناس إلى دنياهم فأجابوهم إليها، ووهبوا لهم دينهم فخسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.
ثم تكلم أبو ذر رضي الله عنه فقال: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بأبي وأمي هذه الوجوه فإني إذا رأيتكم ذكرت رسول الله صلى الله عليه وآله بكم، وما لي بالمدينة شجن ولا سكن غيركم [٩]، وإنه ثقل على عثمان جواري يالمدينة كما ثقل على معاوية بالشام، فآلى [١٠] أن يسيرني إلى بلدة فطلبت إليه أن يكون ذلك إلى الكوفة، فزعم أنه يخاف أن أفسد على أخيه [١١]
[٧] أي في خلق وتقدير، وقضاء حاجة ودفع كربة، ورفع قوم ووضع آخرين، وغير ذلك مما يلائم حكمته تعالى فيقدره بقدرته القاهرة أو بتسبيب الاسباب، والغرض تسلية أبي ذر بأنه مع كل عسر يسرا، ومع كل شدة فرجا.
[٨] أي إن طاعة الناس وانقيادهم مع الجماعة أي من اجتمع عليه الجمهور ورضيت به العامة والهمج والرعاء، وملكهم ورئاستهم لمن غلب على الامر، واستولى على البلاد (٩) الشجن - كالشجر وكذلك الشجنة بتنثليت الشين وسكون الجيم -: الغصن الملتف المشتبك.
هوى النفس.
والسكن - كالوطن -: ما يسكن ويطمئن إليه ويستأنس به، وفي المعنى الاول للشجن تشبيه بديع حيث شبه نفسه بفرع لا استمساك له، وأهل البيت بغصن بالالتفاف به والتمسك منه يحصل القوام والاستمساك.
[١٠] فآلى - فعل ماض من باب الافعال مأخوذ من الايلاء -: فحلف.
[١١] وهو الوليد بن عقبة أخا عثمان لامه، وكأن ولاه الكوفة، فكان يصلي بهم الصبح في حال السكر أربعا ويقول: هل أزيدكم ؟ ! !