جوامع السيرة النبوية - ابن حزم الأندلسي - الصفحة ١٩٩ - غزوة تبوك
فأقام بالمدينة ذا الحجة، و المحرم، و صفرا، و ربيعا الأول، و ربيعا الآخر، و جمادى الأولى، و جمادى الآخرة. فلما كان فى رجب من سنة تسع من الهجرة، أذن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بغزو الروم؛ و ذلك فى حر شديد حين طاب أول الثمر، و فى عام جدب.
و كان (صلى اللّه عليه و سلم) لا يكاد يغزو إلى وجه إلا ورى بغيره، إلا غزوة تبوك، فإنه (صلى اللّه عليه و سلم) بينها للناس، لمشقة الحال فيها، و بعد الشقة، و قوة العدو المقصود.
فتأخر الجد بن قيس أخو بنى سلمة و كان متهما، فاستأذن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى البقاء، و هو غنى قوى، فأذن له و أعرض عنه، ففيه نزلت: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَ لا تَفْتِنِّي، أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [١].
و كان نفر من المنافقين يجتمعون فى بيت سويلم اليهودى، عند جاسوم يثبطون الناس عن الغزو. فبعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) طلحة بن عبيد اللّه فى نفر، و أمرهم أن يحرقوا عليهم البيت، ففعل ذلك طلحة، فاقتحم الضحاك بن خليفة، و كان فى البيت، فوقع فانكسرت رجله. و فر أيضا ابن أبيرق، و كان معهم.
و أنفق ناس كثير من المسلمين و احتسبوا. فأنفق عثمان رضى اللّه عنه نفقة عظيمة، روى أنه حمل فى هذه الغزوة على تسعمائة بعير، و مائة فرس، و جهز ركابها، حتى لم يفقدوا عقالا و لا شكالا [٢]. و روى أيضا أنه أنفق فيها ألف دينار.
و هذه الغزوة أتى فيها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) البكاءون، و هم سبعة: سالم بن عمير من بنى عمرو بن عوف، و علبة بن زيد أخو بنى حارثة، و أبو ليلى
[١] سورة التوبة الآية ٤٩.
[٢] الشكال: هو حبل تربط به قوائم الدابة.