جوامع السيرة النبوية - ابن حزم الأندلسي - الصفحة ١٤٩ - غزوة الخندق
و بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)- إذ بلغه الأمر- سعد بن معاذ، و سعد بن عبادة، و هما سيدا الأوس و الخزرج، و خوات بن جبير أخا بنى عمرو بن عوف، و عبد اللّه بن رواحة أخا بنى الحارث بن الخزرج، ليعرفوا الأمر، فلما بلغوا بنى قريظة وجدوهم مكاشفين بالغدر، و نالوا من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فشاتمهم سعد بن معاذ، و انصرفوا.
و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد أمرهم إن وجدوا غدر بنى قريظة حقا أن يعرضوا له الخبر و لا يصرحوا، فأتوا فقالوا: عضل و القارة؛ تذكيرا بغدر القارة بأصحاب الرجيع. فعظم الأمر، و أحيط بالمسلمين من كل جهة؛ و استأذن بعض بنى حارثة فقالوا: يا رسول اللّه، إن بيوتنا عورة و خارجة عن المدينة، فأذن لنا نرجع إلى ديارنا. و هم أيضا بالفشل بنو سلمة، ثم ثبت اللّه كلتا الطائفتين، و رحم القبيلتين؛ و بقى المشركون محاصرين للمسلمين نحو شهر، و لم يكن بينهم حرب، إلى أن أرسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى عيينة بن حصن بن حذيفة، و الحارث بن عوف بن أبى حارثة، رئيسى عطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، و جرت المراوضة [١] فى ذلك، و لم يتم الأمر، فذكر ذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لسعد بن معاذ و سعد بن عبادة، فقالا: يا رسول اللّه، أ شيء أمرك اللّه به فلا بد لنا منه؟ أم شيء تحبه فنصنعه، أم شيء تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم، و اللّه ما أصنع ذلك إلا أنى رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة. فقال سعد بن معاذ: يا رسول اللّه، قد كنا نحن و هؤلاء القوم على الشرك باللّه و عبادة الأوثان، و هم لا يطيقون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعا، فحين أكرمنا اللّه تعالى بالإسلام،
[١] المراوضة: المساومة و المجاذبة، و المراوضة فى البيع: أن تواضف الرجل بالسلعة ليست عندك، و يسمى بيع المواصفة.