جوامع السيرة النبوية - ابن حزم الأندلسي - الصفحة ١٢٩ - غزوة أحد
رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). فأشار رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن اصمت. فلما عرفه المسلمون لاثوا به [١]، و نهضوا معه نحو الشعب، فيهم: أبو بكر، و عمر، و على، و طلحة، و الزبير، و الحارث بن الصمة الأنصاري، و غيرهم.
فلما أسند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى الشعب، أدركه أبى بن خلف الجمحى، فتناول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الحربة من الحارث بن الصمة، ثم طعنه بها فى عنقه، فكر أبى منهزما، فقال له المشركون: و اللّه ما بك من بأس. فقال: و اللّه لو بصق على لقتلنى. و كان قد أوعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) القتل بمكة، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أنا أقتلك. فمات عدو اللّه بسرف، مرجعه إلى مكة.
و ملأ على درقته من المهراس [٢] فأتى به النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، فوجد له رائجة، فعافه، و غسل به وجهه، و نهض إلى صخرة من الجبل ليعلوها، و كان قد بدن [٣]، و ظاهر بين درعين، فجلس طلحة بن عبيد اللّه، و صعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على ظهره، ثم استقل به طلحة حتى استوى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على و حانت الصلاة، فصلى (صلى اللّه عليه و سلم) قاعدا و المسلمون وراءه قعودا.
و انهزم قوم من المسلمين، فبلغ بعضهم إلى الجلعب دون الأعوص.
منهم: عثمان بن عفان، و عثمان بن عبيد الأنصاري، غفر اللّه عز و جل ذلك لهم، و نزل القرآن بالعفو عنهم بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا، وَ لَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ [٤] إلى آخر الآية.
[١] لاثوا به: لا ذوا به، و انضموا إليه و ذهبوا معه إلى الشعب و هم خلق كثير من الصحابة.
[٢] المهراس: ماء بأحد و قيل: صخرة منقورة تسع كثيرا من الماء.
[٣] بدن: أسن و ضعف و قيل: عظم بدنه و كثر لحمه.
[٤] سورة آل عمران الآية ١٥٥.