نزهة الأمم في العجائب والحكم - ابن إياس - الصفحة ٩ - مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
[ق ٢ أ]
الحمد لله الذي عرّف وفهم ، وعلم الإنسان ما لم يكن يعلم واسبغ [١] علي عباده نعما باطنه وظاهره ، ووالي عليهم من مزيد الائه مننا متظافرة متواترة ، وبثهم في أرضه حينا يتقلبون ، واستخلفهم في ماله فهم به يتنعمون ، وهدي قوما إلي اقنتاص شوارد [٢] المعارف والعلوم ، وشوقهم للتفنن في مسارح التدبر والركض [٣] بميادين الفهوم ، وأرشد قوما إلى الانقطاع من دون الخلق إليه ، ووفقهم للاعتماد في كل أمر عليه ، وصرف أخرون عن كل مكروه وفضيلة ، وقيض لهم قرنا قادوهم إلى ذميمة من الأخلاق ورذيلة ، وطبع على قلوب أخرين ، فلا يكادون يفقهون قولا ، وثبطهم عن سبل الخيرات فما استطاعوا قوة ولا حولا ، ثم حكم على الكل بالفناء ، ونقلهم جميعا من دار التمحيص [٤] والإبتلاء إلى برزخ [٥] البيود والبلاء ، وسيحشرهم أجمعين إلى دار الجزاء ، ليوفى كل عامل منهم عمله ، ويسأله عما أعطاه وخوله ، وعن موقفه بين يديه سبحانه وما أعدله لا يسأل عما يفعل [ق ٢ ب] وهم يسألون.
أحمده سبحانه حمد من علم ، أنه إله لا يعبد إلا إياه ، ولا خالق للخلق سواه ، حمدا يقتضى المزيد من النعماء ويوالى المنن بتجدد الآلاء. وصلى الله على سيدنا محمد عبده ونبيه ورسوله وخليله سيد البشر ، وأفضل من مضي وغبر ، الجامع لمحاسن الأخلاق والسير ،
[١] سبغ ، شىء سابغ أى كامل واف ، وسبغ الشىء يسبغ سبوغا : طال إلى الأرض واتسع ، وأسبغ فلان ثوبه أى أوسعه.
انظر : لسان العرب لابن منظور ـ طبعة دار المعارف ـ القاهرة «مادة سبغ» المجلد الثالث ١٩٢٧ ـ ١٩٢٨.
[٢] هنا بمعني أنواع.
[٣] ركض الدابة يركضها ركضا ضرب جنبيها برجله ومركضة القوس معروفة وهما مركضتان ، وفلان يركض دابته وهو ضربه مركلييها برجليه ..
أنظر : لسان العرب ٣ / ١٧١٨ ـ ١٧١٩.
[٤] بمعنى الشدايد.
[٥] البرزخ ما بين كل شيئين من حاجز ، وفى الصحاح الحاجز بين الشيئين ، والبرزخ ما بين الدنيا والأخرة قبل الحشر من وقت الموت إلى البعث ، فمن مات فقد دخل البرزخ.