رحلة الصَّفار إلى فرنسا - محمّد بن عبدالله الصفار الأندلسي التطواني - الصفحة ٢١٤ - لوحة ٨ دعوة إلى الصفار لحضور فرجة بالقصر الملكي
وسمعوا بنا فامتلأت الطرق والشوارع لرؤيتنا ، حتى بلغنا إلى دار السلطان. فخصنا بالدخول على قوس لا يدخل منه إلا هو وأهله إكراما لنا. فخرجنا منه إلى رحبة واسعة ، فألفينا فيها من العسكر صفوفا بعضها خلف بعض على عادتهم في الاصطفاف ، يجعلون صفا خلف صف ، ويقف الواحد من الصف الثاني بين الاثنين من الصف الأول ، متسلحين بمكاحلهم متزيين بأحسن زيهم ، وعلى كل جملة منهم كبير بيده سيف مسلول بارز أمام جماعته. وبمجرد وصولنا تكلمت الموسيقى فنزلنا ، فدخلنا الدار فأتونا بيسير من الطعام.
ثم استدعونا للصعود في الدرج فصعدنا ، فإذا هو قصر من القصور المشيدة ذو بناء عجيب وتزويق غريب وقباب مشيدة وفرش ممهدة. والتماثيل البديعة والأواني الرفيعة والمرائي الصافية والزخارف البادية ، قصر من قصور الملوك دون شرط ولا ثنيا ، وإن كل ذالك لما متاع الحيوة الدنيا.؟ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ، زهرة الحيوة الدنيا ، لنفتنهم فيه؟ [١]. ثم أخذنا في الدخول من صالة [٢] إلى صالة حتى انتهينا إلى الصالة التي بها السلطان ، وهي أعظم زخرفة وأكمل بهجة مما قبلها. فألفيناه قاعدا على كرسي مملكته ، وحوله عظماء دولته ، والكرسي له ثلاثة أدرج يدور به ضربوز ، كل ذالك مموّه بالذهب وعليه ستور من الحرير لاكن غير مسدولة ، تتدلى منه مجاديل وهدب من الذهب [٣]. وكسوة السلطان مثل كسوة غيره من العظماء الواقفين حوله ، لم يتميز عنهم بشيء ، وعليه سيفه وبرنيطته [٤] على رأسه. وأما من حوله فهم كاشفوا رءوسهم ، إذ لا يقفون أمام عظمائهم إلا كذالك.
ومن عادتهم في اللقاء ، أن ينتخب الوافد كلاما ويزوّره [٥] ، ويكتبه في ورقة
[١] سورة طه ، الآية ١٣١ ، وتضيف الآية : (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى).
[٢] انظر الهامش رقم ٣٢ في الصفحات السابقة من هذا الكتاب.
[٣] سبق لابن خلدون أن أشار إلى أن من علامات الملك ، وجود كرسي للعرش يشترط أن يكون بارزا ، حتى يصبح رمزا ناطقا عن سمو شخص السلطان وتفوقه على الآخرين. ٥٣ : ٢Muqaddimah
[٤] البرنيطة ، من الإيطالية بيريطة (berretta) ، أو من الإسبانية بيريتة (birreta). وتعني في العامية المغربية ، كل أصناف القبعات التي يضعها الأوربيون فوق رؤوسهم ، على اختلاف أنواعها : ٨٠ : ١Dozy
[٥] وكأن الصفار يريد القول إن مضمون الرسالة التي قرأها أشعاش على مسامع الملك الفرنسي وحاشيته مجرد كلام ملفق لإخفاء مظاهر كاذبة. ويوجد نصها العربي في : ١٣٦ ـ ١٣٥ / ٤AAE / MDM