رحلة الصَّفار إلى فرنسا - محمّد بن عبدالله الصفار الأندلسي التطواني - الصفحة ١٣٢ - لوحة ٧ أعضاء السفارة المغربية ومرافقوهم على متن «الميتيور»
ومنها أشكال أخر لحمل السلع والأثقال ولا سقف لها ، إلا أنهم يغطون السلعة بما يمنع وصول المطر لها بإحكام وإتقان ، بأن يجعلوا عليه أقواسا من رقيق الخشب ، ويمدون عليها ثوبا غليضا من ثياب القلاع ويحبذونه ويسمرونه ، فتصير السلعة في داخله كأنها في وسط الخيمة فلا يصيبها المطر أصلا. ويجعل المسير موضعه تحت هذا الساتر ، فلا يصيبه المطر أيضا. والحاصل أن المطر لا يمنع من السفر في هذه البلاد ، لأنه لا يصيب المسافر ولا أمتعته منه شيء ولا تتأثر به الطريق لما سيذكر.
ومنها ما هو معد لحمل ما ثقل من حجارة وحديد ونحو ذالك ، ويجره الكثير من الخيل المربوط بعضها في بعض ، فيعددون الخيل الجارة على مقدار ثقل المجرور. وليس عندهم في هذا كبير مشقة ولا تعب ، ولو كان المحمول بلغ الغاية في الثقل بحيث يزن القناطير العديدة ، فلا يكون معه إلا شخص واحد يربط الدواب بئالة الجر ويحلها. وأما المحمول فهو لازم لموضعه لا ينزل منه إلا عند منتهى السفر ، ونقله على الأرض تجره الكراريط المربوطة في الدواب. وبهذا يسهل عليهم حمل الأثقال العظيمة بغير كلفة ولا مشقة. ولا يحملون شيئا على ظهور الدواب ، وما تحمله الدابة الوحدة على ظهرها قد تجر أضعافه عشر مرات وحدها بشرط أن تكون الطريق على ما سيذكر.
ومن جملة علومهم التي يتعاطونها علم جر الأثقال ، ولهم فيه تأليف. ولا تسمع في طرقهم إلا دوي الجر وصوت السلاسل التي يربط بها ما ذكر. ومشي الأثقال يكون بالهوينا ، بخلاف مشي كراريص الركاب فإنها في غاية السرعة. والذي سهل لهم ذالك تسطيح الطرق وإصلاحها وتعاهدها ، لهم بها اعتناء كبير وهي عمدتهم في جل الأمور. فالطريق عندهم كأنها سطح بيت لا يوجد فيها خضخاض [١] ولا حفر ولا شوك ولا حجر ولا غير ذالك. ومهما انثلم شيء بادروا بإصلاحه ، فلا يغفلون عن تعاهدها. وفي طريقنا هذه ، ما مررنا على موضع منها إلا وجدنا بجانبي الطريق أكداسا من الحجر يمينا وشمالا أعدت هناك لإصلاحها. وغاية ما يفعلون في ذالك ، أنهم يعمدون إلى تلك الأحجار فيكسرونها حتى تصير ذات شناقيب [٢] ليستحكم
[١] من الخضخضة وهي تحريك الأشياء بطريقة عنيفة إلى حد ما ، والمقصود بها هنا ذلك التحريك المزعج الذي يحس به المسافر عند التنقل في طريق غير مستوية أو لوجود الحفر بها ، (المعرب).
[٢] جاءت عند دوزي بحرف الغين بدلا من القاف ، مفردها شنغوبة وجمعها شناغيب ، وتستعمل في الحديث عن النتوءات البارزة في الخشب أو الحجر. ٧٩٢ : ١Dozy (المعرب).