رحلة الصَّفار إلى فرنسا - محمّد بن عبدالله الصفار الأندلسي التطواني - الصفحة ١٨٥ - لوحة ٨ دعوة إلى الصفار لحضور فرجة بالقصر الملكي
وفي ابتداء ذالك الميدان صفا واحدا من المصابيح ، وكلها بضوء اسبيريطوا [١] الذي يجري في القواديس. ومن عجيب أمره أنه لا ينطفئ ولو نفخت عليه بمنافخ الدنيا ، وييس بفتيلة ولا شمعة إنما هو لسان من النار يخرج من جعبة ولها طرّاشة [٢] ، إذا فتلتها انسد مجرى الجعبة فينطفئ السراج ، فإذا فتلتها بالعكس رجع كما كان ، وكل ضوء حوانيتهم وأسواقهم وسائر فناراتهم منه. ويتعاقد من يريده مع صاحبه الذي يرسله على قدر من الزمان معين كساعة أو ساعتين ، فإذا مضى ذالك الزمن انطفى السراج لأن مرسله يقطع له المادة وقتئذ ، وهو من حكمهم العجيبة.
رجع ، فإذا حضر أوان اللعب واجتمع الناس ، فتكون الستارة مرخية على ذالك الميدان ، فترتفع الستارة فتبدوا في ذالك الميدان صور عجيبة وأشكال غريبة ، فيصورون البلدان والأشجار والبراري والبحار والسماء والشمس والقمر والنجوم ، وكل ذالك رقوم ونقوش في الكواغيط ، ولكن لا يشك من رءاها أنها حقيقة. ويصورون ضوء الليل والنهار والفجر وضوء القمر تحت السحاب وغير ذالك. ولا بد أن يكون هناك جواري مزينات بأحسن الزينة وأجمل اللباس ، وعسكر وسلطان لابسي الدروع والبيضات وبيدهم الأسلحة من السيوف والرماح والمكاحل وغير ذالك. ويلعبون أربع أو خمس لعبات في الليلة ، وإذا انقضت اللعبة الأولى أرخوا الستارة المذكورة وغيروا التصوير الذي كان في المرة الأولى ، ويصورون تصويرا آخر يوافق اللعبة الثانية ، وهكذا في كل لعبة [٣].
ثم إن اللعبات عندهم محفوظة معلومة لا أنهم يخترعونها هنالك. واللعب الذي
[١] ظهرت مصابيح الإنارة المعتمدة على مادة الغاز في باريز لأول مرة في العقد الثاني من القرن التاسع عشر ، وكانت تسمى وقتئذ بيك دو كاز (bec de gaz). وتعني لفظة اسبيريطو في العامية المغربية نوعا من الكحول أو الوقود الذي يبدو ضوءه شبيها بضوء الغاز عند إيقاده.
[٢] فعل طرش ، أي أغلق. وقد كتب دوزي أنها تعني اليوم في المغرب عكس ذلك ، أي فتح : Dozy ٢. ٣٥ ، والمقصود بالطراشة هنا ، المفتاح الذي يسمح بمرور الغاز إلى المصباح فيضيء ، أو يمنع مروره فينطفىء حسب الحاجة (المعرب).
[٣] اعتقد الصفار خطأ ، ونتيجة لجهله اللغة الفرنسية وبالتالي لموضوع المسرحية وحبكتها الروائية ، أن كل مشهد جديد من المشاهد المعروضة يشكل مسرحية قائمة الذات.