بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٩
القوّة و النقصان، فهو فاعل و جاعل بنفس ذاته العليمة المريدة القادرة، ففاعليته أتمّ أنحاء الفاعليّة، فالنظام التام الإمكاني صادر عن نظامه المرضي به المعقول الربّاني، و هو أحد الأسرار في عدم إمكان نظام أشرف من النظام الموجود.
فالعلم بمعناه العام موجود في الواجب و الممكن، غاية الأمر أنّه تارة وجود واجبي، و أُخرى جوهر عقلاني، و ثالثة جوهر نفساني، و رابعة كيف نفساني، و هكذا الإرادة معناها العام أمر واحد في الواجب و الممكن يعبّر عنها بالابتهاج و الرضا فيه تعالى و بالشوق فينا.
و لا نعني بالفعل الاختياري إلا الفعل الصادر عن شعور و رضا من الفاعل، لا عن العلم بلا رضا، و إلا لكان الرطوبة الحاصلة بمجرد تصوّر الحموضة، و السقوط الحاصل بمجرد تصوّره على حائط دقيق العرض اختيارياً، و لا عن موافقة الفاعل بلا شعور، و إلا لكان جميع الآثار و المعاليل الموافقة لطبيعة مؤثراتها و عللها اختياريّةً.
فهذا هو السبب في تعبير الحكماء عن إرادته بالعلم بنظام الخير، فانّهم بصدد ما به يكون الفعل اختياريا، و هو ليس مجرد الملائمة و الرضا المستفادين من نظام الخير، بل بإضافة العلم و إلا فمفهوم الإرادة غير مفهوم العلم، كما يظهر لمن تصفح كتبهم.
و بعد هذا فلا يعقل رجوع مفهوم إلى مفهوم، لأنّ الماهيات مثار المغايرة، و لا ترتّب حقيقة إحداها على الأُخرى، إذ الحقيقة واحدة هناك، فلا يعقل ترتّب حقيقة صفة على حقيقة صفة أُخرى.
و الغرض من هذا الإطناب بيان أنّ مفهوم الإرادة غير مفهوم العلم، و أنّ كليهما ينتزع عن نفس ذاته المقدّسة على حدّ سواء، من غير ترتّب، فما به الرضا و هو العلم متّحد فيه تعالى مع الرضا، و لذا قال السيد العلاّمة الداماد ما لفظه:
«مجعولاته مرادة له، و نظامها الصادر عنه مرضي لذاته لا على سبيل أن يعلمها