بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٦٤
على الفيّاض المطلق، و الجواد بالحقّ، الّذي لا بخل في ساحته، إفاضة الوجود.
و بعبارة أُخرى: كلّ ما أمكن وجوده بالذات، وجب وجوده، إلا إذا توقّف على ممتنع بالذات، إذ لا نقص في طرف علّة العلل، فلا بدّ من أن يكون النقص في الوسائط، من الأسباب و الشرائط، و النقص المانع عن وجوده، ليس إلا الامتناع الذاتي، و إلا فيجري في تلك الواسطة هذا البيان، فافهم و استقم.
إذا عرفت ذلك نقول: انّ تفاوت الماهيات الجنسية، و النوعيّة، و الشخصية، في أنفسها، و لوازمها، بنفس ذواتها، لا بجعل جاعل، و تأثير مؤثّر، فمنهم شقي، و منهم سعيد، بنفس ذاته و ما هويته، و حيث كانت الماهيات موجودة في العلم الأزلي، و طلبت الدخول في دار الوجود، و كان الواهب الجواد فيّاضاً بذاته، غنياً بنفسه، فيجب عليه إفاضة الوجود، و يمتنع عليه الإمساك عن الإفاضة و الجود، فلو أوجدها اللّه تعالى، كان محض الجود و الإفاضة، لا أنّه جعل السعيد سعيداً، و الشقي شقياً، حتى يقال: لِمَ جعلهما كذلك، بل أوجدهما اللّه تعالى، و قد عرفت أنّ الإيجاد محض الجود، و حيث إنّه بمقدار القابليّة، كان عدلاً و صواباً، لأنّه إفاضة بمقدار القابلية، و على وفق حال الطالب السائل.
و قياسه بإجابة السفيه، مع الفارق، فانّ السفيه ربما يطلب ما ينافي ذاته، فأجابته خلاف الحكمة، بخلاف إجابة الماهيات، فانّه لا اقتضاء وراء الذات و الذاتيات، و إليه أُشير في قوله عليه السلام: الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة«»كما أنّه أُشير إليه بقوله عليه السلام: السعيد سعيد في بطن أمه، و الشقي شقي في بطن أمه [١] فانّ المراد ببطن الأمّ، امّا ما هو ظاهره،
[١] توحيد الصدوق: الباب ٥٨، و لفظ الحديث هكذا: «الشقي من شقي في بطن أُمّه، و السعيد من سعد في بطن أُمّه».