الوسيط في أُصول الفقه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٠ - ٢ الترجيح بالشهرة العملية
على حكم الآخر، لكن بعد ما فرض الراوي مساواة القاضيين من حيث الصفات أرجع الإمام السائل إلى ملاحظة مصدر فتاواهما، وانّه يقدم قضاء من حكم بخبر مجمع عليه بين الأصحاب، على من قضى بمصدر شاذ.
ومن هنا توجه كلام الإمام إلى بيان مرجحات الرواية في مقام الإفتاء ليكون حلاً في مقام القضاء أيضاً، فكلامه في المجمع عليه وما بعده كموافقة الكتاب ومخالفته راجع إلى ترجيح أحد الخبرين على الآخر في مقام الإفتاء.
هذا كلّه لا غبار عليه لكن هنا إشكالاً آخر، وهو انّ المراد من المرجّح، هو تقديم إحدى الحجتين على الأُخرى، لا تقديم الحجّة على اللاحجّة، والتقديم بالشهرة العملية من قبيل القسم الثاني، ويعلم ذلك من تحليل مقاطع الرواية في ضمن أُمور:
١. المراد من «المجمع عليه» ليس ما اتّفق الكل على روايته، بل المراد ما هو المشهور بين الأصحاب في مقابل ما ليس بمشهور، والدليل على ذلك قول الإمامـ عليه السَّلام ـ : «ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك».
٢. المراد من اشتهار الرواية بين الأصحاب هو اشتهارها مع الإفتاء بمضمونها، إذ هو الذي يمكن أن يكون مصداقاً لما لا ريب فيه، وإلاّ فلو نقلوا الرواية بلا إفتاء وفق مضمونها ففيه كلّ الريب والشكّ.
٣. المراد من قوله: «لا ريب فيه» هو نفي الريب على وجه الإطلاق، لأنّ النكرة في سياق النفي تفيد العموم، فالرواية المشهورة نقلاً وعملاً ليس فيها أي ريب وشك.
وأمّا ما يقابلها، أعني :الشاذ ممّا لا ريب في بطلانه، وذلك لأنّه إذا كانت النسبة في إحدى القضيتين صحيحة قطعاً تكون النسبة في القضية المناقضة لها باطلة قطعاً، وهذا هو المهم فيما نرتئيه.