ذيل تأريخ مدينة السلام - أبي عبد الله محمّد بن سعيد بن الدبيثي - الصفحة ٤١٣ - ٢٥٩ ـ محمد بن عبد الملك بن عبد المجيد ، أبو عبد الله الزاهد
من أهل ميّافارقين ، قدم بغداد في صباه ، وأقام بها إلى حين وفاته. وكان صاحب رياضة ، ومعاملة ، وكلام صائب.
أنبأنا أبو المحاسن عمر بن عليّ القرشي ، قال : محمد بن عبد الملك الفارقي ، أبو عبد الله الشّافعي ، قدم بغداد في عنفوان شبابه وسمع بها جعفر بن أحمد السّرّاج ، وانقطع إلى الخلوة والمجاهدة والعبادة التّامة إلى أن لاحت له أمارات القبول ، واستعمل الإخلاص في أعماله إلى أن تحقّق جريان الحكمة على لسانه ، فكان العلماء والفضلاء يقصدونه ويكتبون كلامه الذي فوق الدّر ويتهادونه بينهم. وجرى على طريق واحد من اختيار الفقر والتّقلّل والتخشّن ، كتبت عنه من كلامه.
قلت : وكان للفارقي مجلس في كل جمعة بجامع القصر بعد الصّلاة يتكلّم فيه على النّاس من غير تكلّف ولا تصنّع ولا روية والنّاس يكتبون [١]. فممن روى لنا عنه شيخنا أبو أحمد عبد الوهّاب بن عليّ بن عليّ [٢] ، وأبو الحسين هبة الله ابن محمد قاضي المدائن ، وأبو شجاع عبد الرزاق ابن النّفيس الواسطي وغيرهم ، رحمهمالله.
أخبرنا أبو أحمد عبد الوهّاب بن أبي منصور الصّوفي ، قال : سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الملك الفارقي يقول : «المحبة نار زنادها جمال المحبوب وحراقها حرق القلوب وكبريتها الكمد ووقودها الفؤاد والكبد».
سمعت أبا الفضل نعمة الله بن أحمد بن يوسف الأنصاريّ يقول : من كلام
[١] قال ابن الجوزي : «كان يتكلم على الناس قاعدا وربما قام على قدميه في دار سيف الدولة من الجامع. وكان يقال : إنه كان يحفظ كتاب نهج البلاغة ويغيّر ألفاظه. وكانت له كلمات حسان في الجملة» (المنتظم ١٠ / ٢٢٩). وذكر ابن كثير أنّ له كتابا يعرف ب «الحكم الفارقية» يروى عنه (البداية ١٢ / ٢٦٠) ، ولعل هذا الكتاب هو الذي أشار إليه الصفدي بقوله : «وقد دون كلامه وجمعه وبوبه ورتبه أبو المعالي الكتبي في كتاب مفرد».
[٢] يعني ابن سكينة الزاهد المشهور وسيأتي ذكره في هذا الكتاب.