ذيل تأريخ مدينة السلام - أبي عبد الله محمّد بن سعيد بن الدبيثي - الصفحة ١٢ - مقدمة المحقق
ظهور الإسناد :
والإسناد هو سلسلة الرّواة الموصلة إلى متن الحديث. وقد اختلف الكتّاب والباحثون في الوقت الذي ظهر فيه استعمال الإسناد ، إذ ليس هناك من تاريخ محدد له ، وقال محمد بن سيرين «٣٣ ـ ١١٠ ه» : «لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة قالوا : سمّوا لنا رجالكم ، فينظر إلى أهل السّنة فيؤخذ حديثهم ، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم» [١].
وإنما وقع الخلف في تفسير «الفتنة» التي قصدها ابن سيرين في قوله هذا ، فذهب بعض الباحثين إلى القول بأنها الفتنة الواقعة في زمن عثمان رضياللهعنه والتي انتهت بمقتله وأدت إلى التمزق والانغلاق في كيان المجتمع الإسلامي وظهور الأهواء السياسية المتعارضة والآراء المتعصبة المتدافعة [٢]. وذهب آخرون إلى أنّ المقصود بالفتنة هي فتنة عليّ ومعاوية رضياللهعنهما واختلافهم في أمر الخلافة [٣]. ورأى الأستاذ روبسن أنّ المراد بالفتنة هي فتنة عبد الله بن الزّبير معتمدا في ذلك على نص ورد في موطأ مالك جاءت فيه هذه اللفظة ، وهو حديث مالك عن نافع أنّ ابن عمر خرج إلى مكة في الفتنة يريد الحج ... الحديث» [٤] ، والمقصود كما هو معروف حصار الحجاج لابن الزبير سنة ٧٢ ه [٥] ، وبذلك حاول روبسن أن يوفّق بين نص ابن سيرين وعمره وتاريخ هذه
[١] صحيح مسلم ١ / ١٥.
[٢] أكرم العمري : بحوث في تاريخ السنة ٤٣ ـ ٤٤ ، وحارث الضاري في مجلة كلية الشريعة ، العدد الخامس ١٩٧٩ ص ٢٢٩ ـ ٢٣٠.
[٣] محمد مصطفى الأعظمي : دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه ٣٩٥.
[٤] الموطأ (١٠٤٢ برواية الليثي) بتحقيقنا ، و (١١٧٣ برواية أبي مصعب الزهري) بتحقيقنا أيضا ، وهو في البخاري ٣ / ١٠ و ١٢ و ٥ / ١٦٢ ، ومسلم (١٢٣٠) (١٨٠).
[٥] ينظر تاريخ خليفة بن خياط ٢٦٨ ـ ٢٦٩ ، والتمهيد لابن عبد البر ١٥ / ٢٠٢.