مدارك نهج البلاغة - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ١١ - شهادة نفس الكتاب بما يزيل الشك و الارتياب
الناس وأبعدهم عن ملاذ الدنيا وأكثرهم وعظاً وأشدهم اجتهاداً في العبادة وكان مع ذلك ألطف الناس أخلاقاً وأسفرهم وجهاً وأكثرهم بشراً وأبعدهم عن انقباض موحش أو خلق نافر. (ومنها) أن الغالب على الشرفاء في النسب سيما إذا أضيف إليه الشرف من جهات أخرى أن يكونوا ذوي كبر وتيه وتعظم وتغطرس وكان أمير المؤمنين (ع) أشرف الناس بعد ابن عمه (ص) مع ذلك كان أشد الناس تواضعاً لصغير وكبير وألينهم عريكة وأبعدهم عن الكبر (ومنها) أن الغالب على ذوي الشجاعة وقتل النفوس أن يكونوا قليلي العفو والصفح وحال أمير المؤمنين (ع) في العفو والصفح ومغالبة هوى النفس ظاهر ومعلوم (ومنها) أن الشجاع لا يكون جواداً كطلحة والزبير وابنه عبدا لله وعبد الملك حتى سمي رشح الحجر وحال أمير المؤمنين في السخاء والشجاعة لا يخفى على أحد هذا، والخلاصة أن من أحاط بكلام النهج وعرف مقاصده وفنونه وما ضمته دفتاه من المعارف والكمالات وعرف أمير المؤمنين وعلو شأنه وما حوته ذاته الشريفة المقدسة جزم بنسبة كلام النهج إليه ورآه مظهراً من مظاهر ذلك المتكلم وممثلًا لشخصيته الغائبة عن العيون وإني لاقرأه وأراه كمرآة تنطبع فبه صورة قائلة على اختلاف الحالات والصفات.
رابعاً: إنا وقفنا على جملة من خطب النهج وكتبه ووصاياه وحكمه مذكورة في مصنفات كتبت قبل زمن الشريف الرضي أو في زمانه وفي مصنفات كتبت بعد زمان الشريف أو في زمانه وفي مصنفات كتبت بعد زمان الشريف ولكن المعلوم من حال الناقل انه لم يعتمد في نقله على ما في النهج بل اعتمد على مصدر آخر وهذه الجملة منها ما يوافق ما في النهج ومنها ما يخالفه في بعض الفقرات والكلمات وربما زاد على ما نقله السيد شان الخطب التي ترويها النقلة وتدونها الكتبة وسيأتي إن شاء الله ذكر ما وقفنا عليه مروياً في غير كتاب النهج، وعدم وجد مصدر غير النهج لما لم نقف له من ذلك غير ضائر ولا قادح فان عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود مع انه إذا ثبت البعض أمكن دعوى ثبوت الكل لاتحاد الجميع في النفس والأسلوب كما مر