مدارك نهج البلاغة - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ٢٤ - بعض المشككين وحججه
أصحابه سبابين شتامين يكثر منهم السب والشتم ويتكرر منهم ويكون لهم عادة ثابتة وسجية راسخة بحيث يصدر منهم ذلك لأدنى موجب وأهون سبب وبحيث يكونون معروفين بهذه الصفة القبيحة والخصلة المستهجنة.
و أما ما جاء في آخر الخطبة المعروفة بالقاصعة فليس هو إلا حديث الشجرة التي دعاها رسول الله (ص) والحديث الوارد فيه كثير مستفيض ذكره المحدثون في كتبهم والمتكلمون في معجزاته (ص) والأكثرون [١]١) رووا الخبر فيها على الوضع الذي جاء في خطبة أمير المؤمنين ومنهم من يروي ذلك مختصراً ولا أعلم جهة القدح التي يوجبها ذكر هذه المعجزة في هذه الخطبة حتى اعرج عليها وانشر بساط البحث فيها كما اني لا اعلم ان ذلك لم صار مما كان كرم الله وجهه أعلى قدراً وأدق نظراً من أن يفوه به واني ليسبق ألي من كلام هذا الكاتب معنى أنزهه وكل مسلم عنه. و أما الخطبة التي يخبر بها عما يكون من أمر التتار والخطبة التي يومي بها إلى الحجاج وغيرهما من خطبه المشتملة على الأخبار عن المغيبات. فلا ينبغي أن يستغرب ذلك ولا يستنكره إلا من لم يعرف قدر أمير المؤمنين ومقامه وانه باب مدينة العلم وانه إلى ما يضيق عنه نطاق الحصر ولا غرو ان لم يصدر أمثال ذلك من أحد الصحابة فانه قد امتاز عنهم بأمور كثيرة خصه (ص) بها وله معه خلوات لم تتهيأ لغيره وقد استفاد من علومه ما لم يستفده غيره ولا أحاط به سواه وقد اخبره بما سيكون بعده من الحوادث والوقائع والماجريات وقد صرح (ع) بذلك للكلبي بقوله يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب و إنما هو تعلم من ذي علم وكان (ع) كثيرا ما يخبر بالمغيبات والحوادث قبل وقوعها فلا يستغرب من الكلام المنسوب إليه إذا اشتمل على ذلك بل لعل ذلك مما يؤيد نسبته إليه ويؤكدها والغيب لا يعلمه إلا الله تعالى ولكنه يعلمه لمن يشاء من عباده الصالحين، هذا ان قصد الكاتب هذا المعنى وان قصد معنى آخر فلفظه قاصر عن أفادته.
[١] شرح ابن أبي الحديد ص ٢٥٦ ج ٣.