الخطب الأربع - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٧ - الخطب الأربع
لم يزل شيخنا منفرداً عن أقرانه، يقوم بالرحلات ويخطب الخطب ويقول المقالات، يحض الأمة، وينصح أفرادها بأتباع طريق السداد، والسير في منهج الرشاد، يفضل المصلحة العامة على كل مصلحة تخصه، يفرغ من جهة ويتحول إلى أخرى، لا يكل ولا يمل، كأن الله قد زوده بروح منه، فسار والهدف أمامه، متخذاً إرادته القوية واخلاصه القويم وتجاربه الحكيمة خير ساعد ومعين. فلا زالت مواقفه الشريفة في العراق، والشام، وفلسطين، ولبنان، والحجاز، وايران، ومصر كلها تبرهن على ما بذله في سبيل ترقية أمته، والقيام بواجبه الملقى على عاتقه، متتبعاً، ومنقباً عن النواقص، متطلباً الشفاء لها، فكانت لنهضته هذه صدى رددته الصحف العربية، ورجع رجعته الأندية العامة والخاصة، وهو يثابر محالفاً الله على أن يخلص لأمته مهما كلفه الأمر، ومهما حاول بعض المرائين من الحط في عزيمته، وكانت رحلته الأخيرة التي جاب بها بلاد ايران وكرَّ راجعاً إلى وطنه مملوءة بالعظات الغالية والنصائح الثمينة والآثار الخالدة، فكان كلما يحل ببلدة من البلدان يزود أهله بالكلمات الشريفة والخطب الارتجالية البليغة، حاضاً أياهم على التمسك بالفضائل، وخلع الخزعبلات والقشور، موصياً إياهم بألتزام نصائح الشرع الإسلامي القويم، والتضامن على الوحدة الصحيحة، فكانت البصرة، والناصرية، والديوانية، والحلة ممن تزودت بوصاياه الغالية وكان الكتاب في أكثر المواقف يتسارعون في ألتقاط ما يتفوه به وتدوينه، فأجتمع لديهم مجموعة نفيسة من النصائح، وكان آخرها ما رقى به المنبر في أواخر شهر صفر وحضَّ أمته على ترك جميع ما هو مخل بالدين، ومضر بالأخلاق، ومنافٍ لما نزل به الوحي على سيد المرسلين، والقضاء على العادات المنكرة التي يقوم بها بعض الأوباش في العشر الأولى من ربيع الأول في النجف، وقد تهافتت الطلبات على سماحة الحجة، راجين نشرها في رسالة يسترشدون بنورها، فتصديت أنا لجمعها ونشرها، ومالي إلَّا خدمة الشعب مقصد.
فما أحوجنا إلى أمثال هؤلاء الرجال في مثل هذا الوقت الذي تتمخض فيه أمتنا عن ظروف عصيبة، إذ بوجودهم تنتعش وتحيا وبفقدانهم تنتكس وتموت.
وفقه الله في أعماله وسدده في خطاه أنه سميع الدعاء.
١ ربيع الثاني ١٣٥٣ ه-
نوري كاشف الغطاء