الخطب الأربع - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٢
الخليفة من ذلك وقال: (إن أمة تؤدي مثل هذا ولا تخون شيئاً منه لأمة أمينة يوشك أن تغلب على سائر الأمم).
كانوا يؤتمنون على تلك النفائس العظيمة .. ونحن لا نؤتمن على أعراض أخواننا، ولا اموالهم، ولا على شيء منهم ... ونخونهم في كل شيء، ويرمي كل واحد منّا أخاه بالعظائم، ويقذفه بالفظائع، من غير ذنب ولا جناية! .. ذهب المتاع، وبقيت الخصومة والنزاع ..
تنازع اثنان على خرج في فلاة من الأرض، فجعلا يتضاربان ويتلاكمان والخرج مطروح خلفهما .. فجاء سارق فسرق الخرج وولى! .. وبينما هما مشغولان بالتضارب والتسابب، إذ ألتفتا فلم يجدا الخرج، فكان حظهما الملاكمة والمخاصمة، والسارق أخذ الخرج غنيمة باردة ... وهكذا نحن أيها المسلمون، قد تخاصمنا وتشاتمنا، وكانت الغنيمة لغيرنا.
أيها الناس!
اللص أخذ (الخرج) .. فعلام هذه النزاعات والخصومات، والبغضاء والعداوات؟ .. علام هذا التضارب والتنافس؟ .. كل واحد منا يملأ قلبه حقداً وحسداً على أخيه!.
أيها الناس!
الوعاظ والذاكرون والخطباء يخوفونكم من نار جهنم في الآخرة، ومن أغلالها وسعيرها وسلاسلها وحياتها وعقاربها .. وأنا أحذركم من نار جهنم في الدنيا .. هي نار العداوة والبغضاء تلك [نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ] .. نار العداوة في الدنيا هي التي تتكون منها نار جهنم في الآخرة .. النمائم هي التي تصير في القبر عقارب وأفاعي ... الضغائن والأحقاد هي السكاكين التي قطعتكم ومزقتكم وجعلتكم طعمة للأغيار. هذه الأخلاق الذميمة في الدنيا، هي عين نار جهنم في الآخرة. الأعمال تتجسم، والأخلاق تتصور، كل واحدة بما بناسبها.
[إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا] .. نعم! مال اليتامى اليوم هو عين النار غداً.