الخطب الأربع - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٧
ثم أن الفساد الذي هو الانحلال والتفكيك إنما ينشأ مما كسبت أيدي الناس من عدوان بعضهم على بعض، وحب الغلبة والاستيثار الناشئ كله من الجهل بصالح الفرد وصالح المجموع، وإن صالح المجموع هو صالح الفرد.
الفساد هو أن يصبح كل أنسان لا يهمه إلَّا أمر نفسه، ولا يبالي بما أصاب أخاه أو صديقه أو جاره أو رحمه، ولا يواسيه في سرّاء ولا ضرّاء .. وبهذا ومثله يظهر مغزى قوله تعالى: [ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ] ومن تقاطع الأمة الواحدة وتفككها وبغض بعضها لبعض .. فعندها [لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا] فترتفع البركات، وتنقطع الخيرات، وينزل البلاء، ويحجب الدعاء، ويحبس غيث السماء. وفي الحديث: (إذا رضي الله عن قوم أنزل عليهم المطر في وقته، وجعل المال في سمحائهم، وأستعمل عليهم خيارهم، وإذا سخط عليهم حبس المطر عنهم، أو أنزله في غير وقته، وجعل المال في بخلائهم، وأستعمل عليهم شرارهم) الحديث.
إذاً فصلاح الأمة حاله حال سائر الموجودات، والكائنات الحيوية، وكل ما على الكرة الأرضية، إذا اجتمعت تكون صالحة في المجتمع، ولا يكون صلاحها إلَّا بتضامنها وانضمامها، بحيث تعيش بروح واحدة، تتبادل منافعها كتبادل أعضاء الجسد الواحد والكل يخدم الكل.
قال أمير المؤمنين (ع): (ألا لا يعدلن أحدكم عن القرابة أو العشيرة يرى بها الخصاصة أن يسدها بالذي لا يزيده إن أمسكه ولا ينقصه إن أهلكه، ومن يقبض يده عن عشيرته فإنما يقبض منه عنهم يداً واحدة، وتقبض منهم عنه أيدٍ كثيرة).
إذا مددت يدك إلى قومك فقد مدت إليك منهم ألف يد، وإذا قبضتها قبضت عنك منهم ألف يد. فكل واحد يشتغل بيد واحدة خير لنفسه أو يشتغل بألف يد؟ .. ولعل إلى هذا أيضاً الإشارة في الحديث المشهور (يد الله مع الجماعة).
إذا اتفقت الأمة وأحب بعضها بعضاً، كان كل واحد منها تشتغل له الأيدي الكثيرة. وإذا تقاطعت فكل واحد منها تشتغل في تقطيعه الأيدي الكثيرة ... وهناك الدمار، والبوار، وخراب الديار.