الخطب الأربع - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٥
الغاية منه. فصلاح الزرع- مثلًا- أن يثمر الثمر الجيد والحب الذي يطلب من مثله، وصلاح المسك بأن تفوح منه الرائحة الطيبة وإذا لم تكن له تلك الرائحة فهو فاسد.
وإذا تعمقنا في البحث، ودققنا النظر في الأسباب والعلل، لا نجد علة الفساد وسبب الصلاح في تلك الكائنات سوى ما يرجع إلى أمر واحد .. فصلاح الشيء وترتب أثره المطلوب منه إنما ينشأ من استجماع أجزائه وانضمام بعضها إلى بعض وارتباطها على نسبة خاصة ووضع معيّن، وارتباطاً يجعل تلك الأجزاء المتغايرة شيئاً واحداً ذات أثر واحد، فإذا زادت تلك الأجزاء أو نقصت، أو أختل وضعها الخاص وتركيبها المعيّن، فأنحل ذلك التركيب وتفككت تلك الأجزاء، فهناك يأتي الفساد وتتلاشى الحقيقة، ويفوت الأثر المقصود منها.
فمرجع الصلاح- في الحقيقة- في كل الكائنات إلى الوحدة والإنضمام، ومرجع الفساد إلى التفرق والانقسام.
ولو نظرنا بالنظرة الأولى إلى الأشياء التي يعرضها الفساد، مثل الفاكهة واللحم ونظائرها لا نجد فسادها إلا من جهة انحلالها، ورخاوتها، وتفكك أجزائها .. وما كان صلاحها إلَّا من جهة تماسك أجزائها وشدة ارتباطها وصلابتها.
وهكذا يتمشى القول في هذا الهيكل الانساني بالنظر إلى كل فرد منه، فإن صحته وصلاحه ليس إلَّا عبارة عن استجماع أجزائه المقوّمة له على تركيب خاص، فلو زادت أو نقصت أو أختل ذلك التركيب والوضع وتفككت الحجيرات التي تكون منها لحمه ودمه، جاء الفساد، وعرض المرض، وتسربت إلى جسده العلة ... واستجماعه لأجزائه بالمرتبة المعينة له تستوجب وحدة حقيقية، بوحدة الحس والإدراك والتعقل، وهذه الوحدة تستوجب تبادل المنفعة بين الأعضاء.
ومثل ما قلناه في الفرد يأتي القول في المجموع، وأعني به الأمة التي تتألف من الأفراد .. وكل فرد فإنما هو جزء من أجزائها، فإن صلاحها بالضرورة إنما هو بإنضمام أفرادها، وشدة إرتباط بعضها ببعض ارتباطاً يستوجب وحدتها الحقيقية، بحيث يعود حال المجموع حال الفرد في حد نفسه، له روح واحدة وحس واحد، حتى لو ضربت العين أو الأنف أو اليد أحست كل الأعضاء بالألم، وإذا ابتهجت العين بمنظر حسن