مجمع البيان في تفسير القرآن - ط مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٣٦
الدنيا، فإن جهنم محيطة بهم أي: جامعة لهم، وهم معذبون فيها لا محالة. (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم رمن تحت أرجلهم) يعني: أن العذاب يحيط بهم، لا أنه يصل إلى موضع منهم دون موضع، فلا يبقى جزء منهم إلا وهو معذب في النار، عن الحسن. وهذا كقوله: (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش). (ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون) أي: جزاء أعمالكم وأفعالكم القبيحة.
(يا عبادي الذين آمنوا إن أرضى وسعة فإياي فاعبدون [٥٦] كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون [٥٧] والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوأنهم من الجنة غرفا تجرى من تحتها الأنهر خالدين فيها نعم أجر العملين [٥٨] الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون [٥٩] وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم [٦٠].
القراءة: قرأ (يرجعون) بالياء: يحيى عن أبي بكر وهشام. والباقون بالتاء.
وقرأ أهل الكوفة، غير عاصم: (لنثوينهم) بالثاء. والباقون: (لنبوئنهم) بالباء.
الحجة: قال أبو علي: أما يرجعون بالياء فلأن الذي قبله على لفظ الغيبة، وترجعون على أنه انتقل من الغيبة إلى الخطاب مثل (إياك نعبد) بعد قوله (الحمد لله). وحجة من قرأ لنبوئنهم بالباء قوله: (ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوء صدق) و (إذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت) وتكون اللام هنا زائدة كزيادتها في قوله (ردف لكم).
ويجوز أن يكون بوأنا لدعاء إبراهيم عليه السلام، ويكون المفعول محذوفا أي: بوأنا لدعائه ناسا مكان البيت. ومن قرأ (لنثوينهم) فحجته قوله (وما كنت ثاويا في أهل مدين) أي: مقيما نازلا فيهم. قال الأعشى:
أثوى وقصر ليله ليزودا، ومضى وأخلف من قتيلة موعدا وقال حسان: (ثوى في قريش بضع عشرة حجة) أي: أقام فيهم. فإذا تعدى بحرف جر فزيدت عليه الهمزة، وجب أن يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف جر،
[١] قوله: (وأخلف) أي: صادفها مخلفة وعدها، وقتيلة: اسم معشوقته. وقد مر البيت في ما
سبق.