تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨١
الأعمال وأكثرها إجراماً وإنحطاطاً بحقّ الشعوب المستضعفة، هؤلاء الذين تلبّسوا بلباس الإنسانية، وهم في الحقيقة ذئاب مفترسة تصبغ حياة المحرومين بلون الدم والظلام .. ثمّ يضيف سبحانه: (
ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلاّ إبتغاء رضوان الله فما رعوها حقّ رعايتها فأتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون
)[١].وممّا تقدّم يتّضح لنا أنّ هؤلاء ليسوا ممّن لم يراعوا مبدأ التوحيد للسيّد المسيح (عليه السلام) فقط، بل دنسوه بأنواع الشرك، ولم يراعوا أيضاً حتّى حقّ الرهبانية التي ابتدعوها باسم الزهد، حيث وضعوا مكائد في طريق خلق الله، وجعلوا من الأديرة والكنائس مراكز لأنواع الفساد، وأوجدوا إنحرافاً خطيراً في رسالة السيّد المسيح (عليه السلام).
ومن مفهوم الآية يتّضح لنا أنّ الرهبانية لم تكن جزءاً من رسالة السيّد المسيح (عليه السلام)، إلاّ أنّ أتباعه هم الذين ابتدعوها من بعده، حيث بدأت بشكل معتدل ثمّ مالت نحو الإنحراف.
وطبقاً لتفسير آخر فإنّ نوعاً من الرهبانية والزهد كان من مبدأ السيّد المسيح(عليه السلام)، إلاّ أنّ أتباعه وأصحابه ابتدعوا نوعاً آخر من الرهبانية لم يقرّرها الله لهم[٢].
[١]ـ حول تركيب ومعنى هذه الآية يوجد إختلاف كثير بين المفسّرين، حيث اعتبرها البعض عطفاً على الرأفة والرحمة، وأخذوا بنظر الإعتبار (حبّ) قبل الرهبانية تقديراً، لأنّ الرهبانية ليست شيئاً يكون في القلب، بل أنّ حبّها والتعلّق بها يكون في القلب، واعتبرها آخرون منصوبة بفعل مضمر حيث إنّ (ابتدعوها) تفسّر ذلك في تقدير: ابتدعوا رهبانية، ابتدعوها.
وبالنسبة لـ (إلاّ ابتغاء رضوان الله) توجد وجهتا نظر: الاُولى: أنّها استثناء منقطع، ومفهومه هو: (ولكنّهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله). والاُخرى: أنّها استثناء متّصل ومفهومها أنّنا قرّرنا ووضعنا نوعاً من الرهبانية عليهم، والهدف من ذلك هو جلب رضى الله تعالى، ولكنّهم حرّفوا الرهبانية إلى نوع آخر كان خلافاً لرضى الله، والظاهر أنّ التّفسير الأوّل في كلا الموردين مناسب أكثر، لذا يرجى الإنتباه هنا.
[٢]ـ طبقاً للتفسير الأوّل حسب الرأي الذي يقول بأنّه إستثناء منقطع، والتّفسير الثاني يقول بالإستثناء المتّصل.
وهذه النقطة أيضاً جديرة بالملاحظة وهي: إذا كانت الرهبانية عطف على الرأفة والرحمة كما اخترناه في المتن، فإنّ المقصود من جعلها في القلوب هو نفس الميل القلبي لهم إلى هذه المسألة، في حين أنّ المقصود من (ما كتبناها) هو أنّ مسألة الرهبانية لم تكن حكم الله في دين السيّد المسيح، بالرغم من أنّ الله تعالى قد وضع حبّها في قلوبهم، وبناءً على هذا فلا تتنافى مع جملة (ابتدعوها).