تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٩
البيّنات والكتاب والميزان والدعوة إلى الإيمان بالحقّ، لنيل مرضاته سبحانه والفوز بالسعادة الأبديّة .. ثمّ يتحدّث عن بعض الاُمم السابقة وأنبيائهم ويعكس هذه الاُسس في منهج دعوتهم.
ويبدأ بشيوخ الأنبياء وبداية سلسلة رسل الحقّ، نوح وإبراهيم (عليهما السلام)، حيث يقول سبحانه: (
ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذرّيتهما النبوّة والكتاب
).وممّا يؤسف له أنّ الكثيرين لم يستفيدوا من هذا الميراث العظيم، والنعم الإلهيّة الفيّاضة، والهبات والألطاف العميمة، حيث يقول عزّوجلّ: (
فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون
).نعم، لقد بدأت النبوّة بنوح (عليه السلام) توأماً مع الشريعة والمبدأ، ومن ثمّ إبراهيم (عليه السلام)من الأنبياء اُولي العزم في إمتداد خطّ الرسالة، وهكذا حلقات متواصلة على مرّ العصور والقرون، فإنّ القادة الإلهيين من ذريّة إبراهيم (عليه السلام) يتصدّون للقيام بمسؤولية الرسالة، إلاّ أنّ المستفيد من هذا النور الإلهي العظيم هم القلّة أيضاً، في حين أنّ الغالبية سلكت طريق الإنحراف.
ثمّ يشير إشارة مختصرة إلى قسم آخر من سلسلة الأنبياء الكرام التي تختتم بعيسى (عليه السلام) آخر رسول قبل نبيّنا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول سبحانه: (
ثمّ قفّينا على آثارهم برسلنا
).حيث حملوا نور الهداية للناس ليضيئوا لهم الطريق، وتعاقبوا في حملها الواحد بعد الآخر، حتّى وصل الدور إلى السيّد المسيح (عليه السلام): (
وقفّينا بعيسى ابن مريم
).«قفّينا» من (قفا) بمعنى الظهر، ويقال للقافية قافية بسبب أنّ بعضها يتبع بعضاً، وتطلق عادةً على الحروف المتشابهة في آخر كلّ بيت من بيوت الشعر، والمقصود في الجملة من الآية أعلاه أنّ الأنبياء جاءوا بلحن واحد وأهداف منسجمة، الواحد تلو الآخر، وبدأوا وأكملوا التعليمات التي حملوها من الله إلى أقوامهم ..