تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٤
مأمن من العذاب الإلهي ثمّ ينتقل إلى المسير في طريق النور والتقوى لينال الرحمة الإلهية المضاعفة.
وفي الآية اللاحقة ـ والتي هي آخر آيات هذه السورة ـ بيان ودليل لما جاء في الآية الآنفة الذكر حيث يقول تعالى: (
لئلاّ يعلم أهل الكتاب ألاّ يقدرون على شيء من فضل الله، وأنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم
)[١].إنّه جواب لهؤلاء الكتابيّين الذين زعم قسم منهم: أنّ لهم أجراً واحداً كبقيّة المسلمين حينما رفضوا الإيمان بالرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمّا الذين آمنوا بالرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)منهم فلهم أجران: أجر الإيمان بالرسل السابقين، وأجر الإيمان بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث يجيبهم القرآن ويردّ عليهم بأنّ المقصود بالآية هم المسلمون.
فهؤلاء هم الذين لهم أجران، لأنّهم آمنوا جميعاً برسول الله بالإضافة إلى إيمانهم بكلّ الأنبياء السابقين، أمّا أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا برسول الله فليس لهم أي نصيب أو سهم من الأجر، ذلك ليعلموا أنّ الرحمة الإلهية ليست في إختيارهم حتّى يهبوا ما يشاؤون منها وفق مشتهياتهم، ويمنعوها عن الآخرين.
وهذه الآية تتضمّن كذلك جواباً لما ورد من ادّعاءات واهية من بعض اليهود والنصارى الذين اعتبروا الجنّة والرحمة الإلهية منحصرة بهم، ظانّين أنّ غيرهم
[١]ـ في (لا) في (لئلاّ) يعلم أهل الكتاب زائدة أو أصلية، يوجد نقاش بين المفسّرين حول هذه المسألة، حيث اعتبر الكثيرون أنّ (لا) زائدة وتفيد التأكيد (كما ذكرنا أعلاه) وبناءً على أنّ (لا) أصلية، فقد وردت معاني مختلفة للآية من جملتها أنّ المقصود سيكون كالتالي وهو: أن يعلم أهل الكتاب بأنّه إذا قبلوا الإيمان والإسلام فإنّهم يستطيعون أن يهيّؤوا الفضل الإلهي لهم. وبتعبير آخر فإنّ نفي النفي هنا بمعنى (الإثبات) أو يكون المقصود كالتالي: نحن الذين أعطينا كلّ هذه الهبات للمسلمين حتّى لا يتصوّروا أهل الكتاب أن لا نصيب للمسلمين في الفضل الإلهي.
إلاّ أنّه بملاحظة نهاية الآية التي تقول: (وإنّ الفضل بيد الله) وكذلك بملاحظة سبب نزولها الذي مرّ بنا سابقاً فإنّ كون (لا) زائدة هو الأنسب ظاهراً، بل وحسب إعتقاد البعض أنّه في الكثير من الموارد التي تشتمل الجملة على نفي، فإنّ: (لا) تكون زائدة كما في قوله تعالى: (ما منعك ألاّ تسجد إذ أمرتك) الأعراف / ١٢. وفي قوله تعالى أيضاً: (وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون) الأنعام، الآية ١٠٩ (يرجى ملاحظة ذلك).