تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٢
والذي يؤيّد الرأي الثاني هو ذكر (الأجر المضاعف) والذي ورد في نهاية الآية والمقصود به جزاء الإيمان بالأنبياء السابقين، وجزاء الإيمان برسول الإسلام.
إلاّ أنّ هذا التّفسير إضافة إلى أنّه لا يتناسب مع الآية اللاحقة ـ كما سنوضّح ـ فإنّه كذلك لا ينسجم مع سبب نزول الآية وطبيعة الإطلاق الذي ورد فيها بقوله: (
ياأيّها الذين آمنوا
).وبناءً على هذا فلابدّ من تبنّي الرأي القائل بأنّ المقصود بالمخاطب هم جميع المؤمنين الذين قبلوا ـ بالظاهر ـ دعوة الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكنّهم لم يؤمنوا بها الإيمان الراسخ الذي يضيء أعماق النفوس ويتجسّد في أعمالهم وممارساتهم.
وتكملة للآية الكريمة يشير القرآن الكريم إلى ثلاث نعم عظيمة تحصل في ظلّ الإيمان العميق والتقوى حيث يقول تعالى: (
يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم
).«كفل» على وزن (طفل) بمعنى الحصّة التي توفّر للإنسان حاجته، ويقال للضامن «كفيل» أيضاً بهذا اللحاظ، حيث يكفل الطرف المقابل ويضمنه بنفسه[١].
والمقصود من هاتين الحصّتين أو النصيبين هو ما جاء في قوله تعالى: (
ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة
).واحتمل أيضاً أنّ هذين النصيبين يمكن أن يكون أحدهما الإيمان برسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) والآخر الإيمان بالأنبياء السابقين، لأنّ كلّ مسلم ملزم بموجب
[١]ـ يعتقد البعض أنّ هذا المصطلح مأخوذ من (كفل) على وزن «عسل» والمقصود به هو ما يضعونه على كفل ـ القسم الأخير من الظهر ـ الحيوانات كي لا يسقط الراكب، ولذلك فإنّه يقال لكلّ شيء يسبّب الحفظ (كفل)، ومن هنا أطلق على الضامن اسم «الكفيل» بسبب هذا المعنى. (أبو الفتوح الرازي نهاية الآية مورد البحث).
ويستفاد من الراغب أنّ لهذا المصطلح معنيين: الأوّل هو المعنى أعلاه، والمعنى الثاني يطلق على الشيء الرديء الذي لا قيمة له، والتشبيه بكفل الحيوانات يكون بلحاظ أنّ كلّ شخص يركب على كفلها فاحتمال سقوطه وارد (يرجى ملاحظة ذلك).