تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨
وإستمراراً للبحث فالآيات أعلاه تتحدّث عن هذا الأجر، وتبيّن مدى قيمته وعظمته في اليوم الآخر، يقول سبحانه: (
يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم
).وبالرغم من أنّ المخاطب هنا هو الرّسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أنّ من الواضح أنّ الآخرين يرقبون هذا المشهد أيضاً، ولكن بما أنّ تشخيص المؤمنين من الاُمور اللازمة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليتفقدهم فكانت هذه العلامة: (
نورهم الذي يسعى بين أيديهم ...
) دالّة عليهم، وبذلك تكون معرفتهم أيسر.وبالرغم من أنّ المفسّرين ذكروا إحتمالات متعدّدة لهذا «النور إلاّ أنّ المقصود منه ـ في الواقع ـ تجسيم نور الإيمان، لأنّه سبحانه عبّر بـ (نورهم) ولا عجب، لأنّ في ذلك اليوم تتجسّد أعمال البشر، فيتجسّد الإيمان الذي هو نور هدايتهم بصورة نور ظاهري، ويتجسّد الكفر الذي هو الظلام المطلق بصورة ظلمة ظاهرية. كما نقرأ في الآية الكريمة: (
يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم
)[١].وجاء في الآيات القرآنية الاُخرى أنّ الله تعالى يهدي المؤمنين من الظلام إلى النور: (
يخرجهم من الظلمات إلى النور
).التعبير بـ «يسعى» من مادّة (سعى) ـ بمعنى الحركة السريعة ـ دليل على أنّ المؤمنين أنفسهم يسيرون بسرعة في طريق المحشر باتّجاه الجنّة حيث مركز السعادة السرمدية، ذلك لأنّ الحركة السريعة لنورهم ليست منفصلة عن حركتهم السريعة.
والجدير بالملاحظة هنا أنّ الحديث جاء عن (نورين) (النور الذي يتحرّك أمامهم، والنور الذي يكون عن يمينهم) وهذا التعبير يمكن أن يكون إشارة إلى
[١]ـ التحريم، الآية ٨.