تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٨
والخلاصة أنّ المقصود من العبرة والإعتبار في الآية أعلاه هو الإنتقال المنطقي والقطعي من موضوع إلى آخر، وليس العمل على أساس التصوّر والخيال.
وعلى كلّ حال فإنّ مصير طائفة «بني النضير» بتلك القدرة والعظمة والشوكة، وبتلك الصورة من الإستحكامات القويّة، صار موضع (عبرة) حيث أنّهم إستسلموا لجماعة من المسلمين لا تقارن قوّاتها بقوّاتهم، وبدون مواجهة مسلّحة، بحيث كانوا يخرّبون بيوتهم بأيديهم وتركوا بقيّة أموالهم للمسلمين المحتاجين، وتفرّقوا في بقاع عديدة من العالم، في حين أنّ اليهود سكنوا في المدينة من أجل أن يدركوا النبي الموعود الذي ورد في كتبهم، ويكونوا في الصفّ الأوّل من أعوانه كما ذكر المؤرّخون ذلك.
وبهذا الصدد نقرأ حديثاً ورد عن الإمام الصادق حيث يقول: «كان أكثر عبادة أبي ذرّ رحمه الله التفكّر والإعتبار»[١].
ومع الأسف فإنّ كثير من الناس يفضّلون تجربة الشدائد والمحن والمصائب بأنفسهم ويذوقوا مرارة الخسائر شخصيّاً، ولا يعتبرون ولا يتّعظون بوضع الآخرين وما يواجهونه في أمثال هذه الموارد، ويقول الإمام علي (عليه السلام) «السعيد من وعظ بغيره»[٢].
وتضيف الآية اللاحقة (
ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذّبهم في الدنيا
).وبدون شكّ فإنّ الجلاء عن الوطن وترك قسم كبير من رؤوس الأموال التي جهدوا جهداً بليغاً في الحصول عليها، هو بحدّ ذاته أمر مؤلم لهم، وبناءً على هذا فإنّ مراد الآية أعلاه أنّه لو لم يحلّ بهم هذا العذاب، فإنّ بإنتظارهم عذاباً آخر هو القتل أو الأسر بيد المسلمين ... إلاّ أنّ الله سبحانه أراد لهم التيه في الأرض
[١]ـ كتاب الخصال مطابق لنقل نور الثقلين، ج٥ ص٢٧٤.
[٢]ـ نهج البلاغة، خطبة ٨٦.