تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦١
سبب النّزول
ذكر المفسّرون والمحدّثون والمؤرّخون بصورة مفصّلة سبب نزول هذه الآيات، وخلاصة ما ذكروه هي ما يلي:
كان في المدينة ثلاث قبائل من اليهود وهم: «بنو النضير»، و «بنو قريظة»، و «بنو قينقاع»، ويذكر أنّهم لم يكونوا من أهل الحجاز أصلا، وإنّما قدموا إليها واستقرّوا فيها، وذلك لما قرأوه في كتبهم العقائدية من قرب ظهور نبي في أرض المدينة، حيث كانوا بإنتظار هذا الظهور العظيم.
وعندما هاجر الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة عقد معهم حلفاً بعدم تعرّض كلّ منهما للآخر، إلاّ أنّهم كلّما وجدوا فرصة مناسبة لم يألوا جهداً في نقض العهد.
ومن جملة ذلك أنّهم نقضوا العهد بعد غزوة اُحد، التي وقعت في السنة الثالثة للهجرة.
فقد ذهب «كعب بن الأشرف» زعيم قبيلة «بني النضير» مع أربعين فارساً إلى مكّة، وهنالك عقد مع قريش حلفاً لقتال محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وجاء أبو سفيان مع أربعين شخصاً، وكعب بن الأشرف مع أربعين نفراً من اليهود، ودخلا معاً إلى المسجد الحرام ووثقوا العهد في حرم الكعبة، فعلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك عن طريق الوحي.
والمؤامرة الاُخرى هي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل يوماً مع شيوخ الصحابة وكبارهم إلى حي بني النضير، وذلك بحجّة إستقراض مبلغ من المال منهم كديّة لقتيلين من طائفة بني عامر، قتلهما (عمرو بن اُميّة) أحد المسلمين، وربّما كان الهدف من ذلك هو معرفة أخبار اليهود عن قرب حتّى لا يباغت المسلمون بذلك.
فبينما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتحدّث مع كعب بن الأشرف إذ حيكت مؤامرة يهودية لإغتيال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتنادى القوم: إنّكم لا تحصلون على هذا الرجل بمثل هذه الحالة وهاهو قد جلس بالقرب من حائطكم، فليذهب أحدكم إلى السطح ويرميه بحجر عظيم ويريحنا منه، فقام «عمرو بن جحاش» وأبدى