تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤١
ثمّ يشير تعالى إلى العذاب المؤلم لهؤلاء المنافقين المصرّين على الباطل والمعاندين للحقّ، حيث يقول تعالى: (
أعدّ لهم عذاباً شديداً
) وبدون شك فإنّ هذا العذاب عادل وذلك: (إنّهم ساء ما كانوا يعملون
).ثمّ للتوضيح الأكثر حول بيان سمات وصفات المنافقين يقول سبحانه: (
اتّخذوا أيمانهم جنّة فصدّوا عن سبيل الله
)[١].يحلفون أنّهم مسلمون وليس لهم هدف سوى الإصلاح، في حين أنّهم منهمكون بفسادهم وتخريبهم ومؤامراتهم .. وفي الحقيقة فإنّهم يستفيدون من الإسم المقدّس لله للصدّ والمنع عن سبيل الله تعالى ...
نعم، إنّ الحلف الكاذب هو أحد علائم المنافقين، حيث ذكره سبحانه أيضاً في سورة المنافقين الآية (٢) في معرض بيان أوصافهم.
ويضيف تعالى في النهاية: (
فلهم عذاب مهين
) أي مذلّ.إنّهم أرادوا بحلفهم الكاذب تحسين سمعتهم وتجميل صورتهم، إلاّ أنّ الله سيبتليهم بعذاب أليم مذلّ، وقبل ذلك عبّر عنه سبحانه بأنّه «عذاب شديد»، كما في الآية (١٥) من هذه السورة، لأنّهم يحزنون قلوب المؤمنين بشدّة.
والظاهر أنّ كلا العذابين مرتبط بالآخرة، لأنّهما ذكرا بوصفين مختلفين: (مهين وشديد) فليسا تكراراً، لأنّ وصف العذاب بهذين الوصفين في القرآن الكريم يأتي عادةً لعذاب الآخرة، بالرغم من أنّ بعض المفسّرين احتملوا أنّ العذاب الأوّل مختّص بالدنيا أو عذاب القبر، وأنّ الثاني مختّص بعذاب الآخرة.
ولأنّ المنافقين يعتمدون في الغالب على أموالهم وأولادهم وهما (القوّة الإقتصادية والقوّة البشرية) في تحقيق مآربهم وحلّ مشاكلهم، فإنّ القرآن الكريم يشير إلى هذا المعنى بقوله تعالى: (
لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله
[١]ـ «جنّة» في الأصل من مادّة (جنّ) على وزن (فنّ) بمعنى تغطية الشيء، ولأنّ الدرع يغطّي الإنسان من ضربات العدو فيقال له (جنّة ومجن ومجنة).