المثل العليا في الاسلام لافي بحمدون - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٤١ - دخول الانكليز في العراق

ولكن هذا النوع قل أو كثر لا يسقط التكليف لاتمام الحجة وقطع المعاذير وليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. واذا تركنا العظة والتبليغ لوجود مثل هؤلاء في البشر يكون كمن ترك الماء لأن شخصاً شرق بالماء فمات.

المواعظ البالغة هي وظيفة الأنبياء ومن أجل وجوب القيام بها صار العلماء ورثة الأنبياء تلك العظات كالسحاب الماطر اذا أصاب الأرض الطيبة أنبتت نباتاً حسناً واذا وقع على الخبيثة أخرجت شوكا او ملحاً. كل هذا مما لا مراء فيه انما الداء العضال وعقدة الإشكال في الواعظين فأين الواعظون المتعظون وأين الصالحون المصلحون والكل يعلم ويقول ان الكلام اذا خرج من القلب دخل في القلب واذا خرج من اللسان لا يتجاوز الآذان وأصوان الفرايض يجمعها ثلاثة عناوين يجب لى كل انسان ان يعلم ثم يعمل ثم يعلم وروح هذه الأصول الثلاثة الاخلاص والمعرفة وعلى درجات الاخلاص يكون التأثير في المحل القابل، والاستعداد الكامل، وصف المتقين أمير المؤمنين ( فما فرغ من خطبته حتى صعق همام ولحق بإخوانه المتقين، ووعظ بعض العرفاء شاباً من تلاميذه فشهق شهقة كانت روحه فيها فجاءت أمه تبكي ومعها أهله يطالبون الشيخ بديته فقال الشيخ نفوس طهرت وطابت، ثم دعيت فأجبت، خذوا ديته ممن أخذه ممن دعا فلباه وتجلى له فاستهواه.

نعم هكذا تصنع المواعظ البليغة في من يعيها من سامعيها أما أنا وأنت وأمثالنا من الهياكل البشرية الجوفاء المشحونة بالهوس والأهواء فأي أثر لوعظنا، وأي فائدة في إرشادنا لو أرشدنا نحن علماء نتلو آيات الكتاب ونعرف فقه الحديث ولكن من طراز الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها... ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد الى الأرض واتبع هواه.

مضى عليّ أكثر من خمسين سنة وأنا أهيب بإخواني المسلمين أدعوهم الى الاتفاق والوحدة وجمع الكلمة ونبذ ما يثير الحفائظ وينبش الدفائن والضغائن التي أضرت بالإسلام وفرقت كلمة المسلمين فأصبح الإسلام غريباً يستنجد بهم. تكالب عليه أعداؤه وجاحدوه وخذله أهله وحاملوه. ومن أراد شاهد صدق على ذلك فليراجع الجزء الأول من (الدين والإسلام) او الدعوة الإسلامية الذي طبع منذ ٤٤ سنة ولينظر أول صفحة من الى صفحة ٢٧ تحت عنوان ( البواعث والدواعي لهذه

الدعوة ). ثم يشفع هذه النظرة بأخرى في أول الجزء الثاني منه فيرى المقطوعة التي يقول أولها:

بني آدم إنا جميعاً بنو أب

لحفظ التآخي بيننا وبنو أم

ومنها يقول: