المثل العليا في الاسلام لافي بحمدون - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٦ - بغداد الأمس وبغداد اليوم

ان الاخلاق والفضيلة والمثل العليا والنواحي الروحية قد بلغت من التردي والسقوط والتدهور في هذا العصر الى أبعد حدودها. استعرض على ذهنك كل ما على هذه الأرض من الممالك والأمم والشعوب والقبائل فان كانت ذات دين او نجاة فهل تجدها قد تقيدت بشيء من دينها او التزمت بحكم من أحكام شريعتها مثلاً ان أصول الفضائل في العهدين القديم والجديد والوصايا العشر وخطبة المسيح على الجبل وأهم ما فيها لا تقتل لا تسرق ولا تزني لا تكذب الى آخرها، فهل تجد شيئاً من هذه الفضائل عند اليهود او النصارى بل وعند أكثر المسلمين بل وحتى عند البراهمة والبوذيين الذين هم أشد الأمم تمسكاً بديانتهم والتزاما بتقاليدهم، وأهم الأحكام عند البراهمة الذين لا يسوغ في شريعتهم مخالفة بوجه من الوجوه لا اضطراراً ولا اختياراً حرمة ذبح الحيوان بل حرمة إيذائه حتى الهوام والحشرات والانسان بالضرورة أشرف من الحيوان ومع هذا فلما نشبت الحرب بين الهندوس وبين المسلمين قبل سنوات صار ألوف المسلمين بل مئات الألوف نساءاً ورجالاً وأطفالاً تصب عليهم القنابل من الطائرات في جو السماء والمدافع في دو الأرض. يحرمون قتل النملة ولا يحرمون قتل الناس جملة.

أما أمريكا فقد نسفت مدينة من كبريات مدن اليابان بكل من فيها من السكان والذرية، بفضل القنبلة الذرية. ما أدري بلحظة واحدة أو أكثر. كما لا أدري ما ذنب أولئك المساكين من البش حتى يهلكوا جميعاً على صعيد واحد، وبنفخة واحدة. وأمريكا تدين بدين النصرانية وتبشر به وتوراتهم وإنجيلهم يصرخ في كل فرد منهم لا تقتل، لا تقتل. والإسلام يشدد في أمر القتل ويحرمه أشد حرمة. الا في موردين او ثلاث لأسباب خاصة من قصاص ونحوه. كما يحرم الظلم والعدوان، ويوصي بالشفقة والرحمة، والعطف حتى على الحيوان. وأوصى بالشفقة والرقة حتى على الكلب فقال اذا رأيت الكلب يلهث من العطش فاسقه الماء فان لكل كبد حرى أجراً. وقال لا تضرب وجه دابتك ولا تحملها فوق طاقتها واذا بلغت المنزل فابدأ بسقيها وعلفها قبل نفسك. وقال ان للماء أهلاً فلا تبولوا فيه فتؤذوهم. وقال لا تحرقوا بيوت النمل. وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام في بعض خطبه: والله لئن أبيت على حسك السعدان مسهداً، او أجر في الاغلال مصفداً أحب إلي من ان ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشيء من الحطام. ويقول في آخرها: والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على ان أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت.

هذا اضمامة صغيرة من زهرات آداب الإسلام وتعاليمه وحال الأصحاء من رجال المسلمين وأئمتهم. ولكن هل تجد شيئاً من ذلك عند المسلمين اليوم من عامتهم بل الكثير من خاصتهم.

أصبح اليوم الظلم والعدوان على حق الغير، والقسوة والرشوة، والكذب والبهتان، والقتل بجميع أنواعه، وما الى ذلك من المساوئ والرذائل، طعاماً سائغاً هنياً، يسيغه الناس كما يسيغون طعامهم وشرابهم من غير وحشة ولا نكير.

ولا أريد ان أستوفي هذا الموضوع حقه، وأخوض فيه الى أعمق نواحيه، إنما الذي اريد ان اقتله بحثاً وعلماً، واصل الى قعره وغوره، وهو معرفة العلة والسبب في هذا الانقلاب الذي يشبه ان يكون انقلابا فجائياً في هذه الأمة التي تقول بلسانها انها أمة مسلمة وليس لها من روحيات الإسلام وحقايقه وخلايقه شيء قل أو كثر.