المثل العليا في الاسلام لافي بحمدون - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٧ - بغداد الأمس وبغداد اليوم

نعم أمعنت النظر وأنعمت الفكر وقايست بين هذا العصر والعصر الذي أدركته قبل نصف قرن أيام حكومة الأتراك المسلمة والتفاوت الشاسع بين الحالين مع القرب بين الحالتين الذي جعله عندي انقلاباً فجائياً فكرت وتدبرت الأسباب والمسببات والعلل والمعلولات فلم يوصلني السير الحثيث والبحث المتواصل الا الى أمرين أحدهما يعتنق الآخر ويلازمه.

( الأول ) توغل الاستعمار وتمكنه من هذه الاقطار الإسلامية ومن المعلوم ان الاستعمار عند أربابه فن من الفنون وله إدارات ووزارات ودروس ومدارس وأساتذة وامتحانات وإجازات.

وقد تجلى لهم كما هو الواقع ان الغرض الأتم والفائدة المتوخاة لا تحصل لهم الا بتغيير نفسيات المسلمين ووجدان الإسلام بروحه وجوهره هو الأخلاق والملكات الفاضلة وهي تقوم على أساس رصين من شيِّنات الخير الثلاث يلازم بعضها بعضاً ولا ينفك أحدها عن الآخر وهي: الشرف. الشمم. الشهامة. في قبال شينات السوء. الشر . الشؤم. الشغب.

أول بذرة غرسها النبي في نفوس أصحابه الأولين وهم أولئك الضعفاء المساكين كصهيب الرومي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي لا مال ولا رجال ولا عشيرة في محيط يتماوج بجبابرة قريش وطاغوتها وخيلاتها.

غرس في نفوس أصحابه العزة والاباء وكرامة النفس واحتقار المادة والصلابة في الدين فقال ما معناه: تذل السماوات والأرض ولا يذل المؤمن، وتزول الجبال ولا يزول إيمانه وقال في كتابه العزيز: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ). وقال: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ). وقال: (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً).

أما اليوم فهم يقاتلوننا ويجدون فينا رخاوة بل مساعدة على قتل إخواننا.

يقتل بعضنا بعضاً ويمشي

أواخرنا على هام الأوالي

رأى المستعمر ان المسلم يستحيل ان يرضى بعار الاستعمار ويلبس ثوب الذل والصغار، ما دام مسلماً يعرف لنفسه عزة وكرامة وشرفاً وشهامة، واذا فلا مناص لمن يريد ان يستعمر المسلمين ان يسلبهم قبل كل شيء عزتهم وإيمانهم، حتى يستطيع ان يأخذ بسهولة أموالهم وبلدانهم وبأي شيء يستطيع سلب عزتهم وكرامتهم وسلب إيمانهم وشهامتهم؟.

( الجواب ) سهل واضح يتوسل الى ذلك بالمغريات واشراك الشهوات وحبائل المال والمادة وهكذا فعل وهكذا وصل وهكذا صارت حالة المسلمين وذهب منها كل خلق كريم. وصارت طباعها تمج الفضيلة وتستلذ الذلة والرذيلة ولا تجد لنفسها أي قيمة إزاء الظالمين والمستعمرين، أراك تشك في هذا أيها المسلم فان كنت تشك فانت مسلوب الحس والشعور أيضاً كما انك مسلوب العزة والكرامة.