المثل العليا في الاسلام لافي بحمدون - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٥ - ضرورة الحياد

فقلت: ليس المهم قصر الملك بل المهم كوخ الفلاح الذي يشيد منه قصر الملك، بل وقصر الكريمات مقر فخامتكم في الكرخ كوخ الفلاح الذي يغرق منه كل سنة الألوف ومئات الألوف من الفلاحين المساكين يهيمون على وجوههم، ومن يسلم من موت الغرق من عيالهم وأطفالهم يصيحون بلا مأوى، ويستولي التيار على كل ما يملكون من مقومات الحياة وهكذا دواليك ( كل عام وأنتم بخير ). الناس منكم بشر واي شر. فأين العمران والتعمير يا فخامة السفير، وهل هذا الا التدمير.

نعم وكأن ترجمان الغيب شاء ان يصدقني ويحقق نبوءتنا وشاءت الطبيعة او شاء الله تعالى ان يضرب بغداد هذه السنة بنكبة لم يحدث تاريخ بغداد بمثلها، ولم يقتصر بلاء الماء على بغداد وحدها بل شمل مناطق واسعة من الحقول والقرى في لواء الكوت وديالة، ولواء بغداد، وتقدر الخسائر في المزارع والبضائع بنحو عشرين مليون دينار(٢). خمسة آلاق صريفة (كوخ) بل أكثر قلعها الفيضان، وهام أهلها على وجوههم شاردين بأبدانهم خمسون ألف نسمة على أقل تقدير، وهؤلاء هم عصب العمل، ودولاب الحركة في العاصمة، وهم أنفع للمجتمع من أولئك الذين يسكنون القصور، ويتمتعون بافتراش الحرير والحور، وشرب الخمور، ملايين الدنانير من المعبود الأسود، ومن ضرائب المساكين من الأهلين، يصرفها المستعمر وأولياؤه الحاكمون على مصالحهم وشهواتهم، ويهملون هذه الناحية المهمة، والمأساة التي تتكرر عليهم كل سنة، بالويلات والفجائع والروائع.

حدثني الكثير من الاعراب انهم كانوا يشاهدون الجثث من النساء والأطفال والرجال طافية على وجه الماء منتفخة أبدانهم ولا يستطيع أحد ان ينقذهم من غمرات ذلك التيار الذي أمتد من أعالي بغداد الى الكوت ومن الكوت الى الناصرية. وكلما مر على قرية او قبيلة أغرقها وقضى عليها وعلى أهليها.

سياسة الفيضان

ويظهر ان اخذ التدابير لدفع هذا الخطر الهائل عن العاصمة ليس من صالح الأسياد المستعمرين، والا لجعلوا بغداد في أمان من طغيان الفيضان مهما كان، بل كان في إمكانهم ان يجعلوها كبرج ايفل او كناطحات السحاب. ولعل من صالحهم ان تصير كل سنة بهذا المصير. ( العصفور يتقلى والصياد يتفلى ) البلاء يتموج والمستعمر يتفرج.

وقبل سنوات غرق أيضاً معسكر الرشيد وجميع ما فيه من الأسلحة التي تقدر بالملايين الداخلة في خزائن الاستعمار والاستثمار ذاك على أثر اعطاء هذا الاستقلال العفن المزيف. بعد الجهود والتضحيات في طلب الاستقلال الصحيح.