شرح الشّواهد الشعريّة في أمّات الكتب النحويّة - شُرّاب، محمد محمد حسن - الصفحة ٤٢
أقول : إن كلّ بيت من الأبيات السائرة يؤدي معنى منفردا ، ولكنك إذا حذفته ، أو غيرت ترتيبه اختل التسلسل المعنوي ، واقرأ قول الحطيئة في سياق هجاء الزبرقان ، ورفع مقام «بغيض» :
|
دع المكارم لا ترحل لبغيتها |
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي |
|
|
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه |
لا يذهب العرف بين الله والناس |
وقول أبي ذؤيب في سياق رثاء أولاده :
|
والنفس راغبة إذا رغبتها |
وإذا تردّ إلى قليل تقنع |
وقول لبيد في سياق رثاء أخيه أربد :
|
وما المال والأهلون إلّا ودائع |
ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع |
فمع أن هذه الأبيات من سوائر الأمثال ، إلا أن سياق القصيدة لا يستغني عنها.
بل إن البيت يكتسب معنى زائدا ، إذا قرىء في سياقه ، وهذا يدل على أن البيت مربوط بالقصيدة ، ودلالته على معنى منفرد ، مع ارتباطه ميزة فنية تحسب في محاسن القصيدة.
* وأما أبيات الشواهد النحوية : فإنها تنشد في كتب النحو لتكون حجة للقواعد النحوية ، فإذا أنشدتها في باب الأدب نقص معناها ، أو اختلّ. ولعلّ سائلا يقول : وهل ينفصم الأدب عن النحو ، أو ينفصل النحو عن الأدب؟ الجواب : إن الشعراء يعدّون النحو موجّها لأساليبهم ؛ لأنهم يقولون للإفهام والتأثير. والقارئون والسامعون موجّهون بما عهدوا من قواعد النحو ، ولكن مع ذلك ، ليست القواعد النحوية هي المتفرّدة بإحداث التأثير الأدبي ، بل هناك عوامل أخرى تدخل في باب البلاغة وعلم المعاني.
وأما النحويون : فإنهم لا يعيرون الناحية الأدبية كثيرا من الرعاية عند ما يستشهدون بأبيات الشعر ، وذلك راجع إلى طبيعة صنعتهم ، وما يرغبون فيه لبناء القواعد عليه. وقد سجّلت على حاشية الشواهد النحوية الملاحظات التالية :