يسئلونك عن... - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٦ - قصة ذي القرنين المدهشة
بتعبير آخر: فإننا سوف نتحدث في البداية عن شخصيته، ومن ثم عن شخصه، وما هو مهمّ من المنظار القرآني هو الأوّل بلا ريب.
تقول الآية الأولى حول قصّته: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً.
إنّ استعماله تعالى قول (سأتلو) فيه تنبيه على النقاط التالية:
إنّ السين تستعمل عادة للمستقبل القريب، في حين أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله يتحدّث عن ذي القرنين فوراً وبدون تأخير، ومن الممكن أن يكون استعمال هذا الأسلوب رعاية لأدب الحديث، ذلك الأدب المتميز بالتروي، ومفهومه استيعاب كلام الله ومن ثم شرحه للناس.
على أي حال، فإنّ صدر هذه الآية تدلّ على أنّ قصّة ذي القرنين كانت مطروحة
بين الناس سابقاً، وكان يثار حولها الكثير من الاختلافات واللغط والإبهامات، لذا توجّه الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ليطلبوا منه توضيحات لازمة في هذا المجال، ويضيف تعالى: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْء سَبَباً.
حاول بعض المفسّرين أن يحصروا مفهوم (السبب) في الآية بمعنى خاص، والأصل في معنى (السبب) أنّه يطلق على الحبل الذي يستعان به لتسلق أشجار النخيل ومن ثم أطلق على كل وسيلة، إلّا أنّ من الواضح أنّ الآية مطلقة بشكل كامل ولها مفهوم واسع تدل على أنّ الله عزّ وجلّ جعل بتصرف ذي القرنين أسباب الوصول إلى أي أمر، مثل العقل والدراية الكافية والإدارة السليمة والقوّة والقدرة والجيش والقوى البشرية والإمكانات المادية، أي: إنّ الله عزّ وجلّ قد جعل في تصرفه من الوسائل المعنوية والمادية ما تعينه في تقدّمه وتحقيق أهدافه.
وتذكر الآيات: فَأَتْبَعَ سَبَباً* حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْن حَمِئَة (١) وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٢) أراد بعض المفسرين مستفيدين من قوله تعالى: (قلنا) أن ينسبوا إلى ذي القرنين النبوّة، ولكن يمكن أن يحتمل في هذا القول شيء آخر بأن يكون المقصود من هذه الجملة هو الإلهام القلبي الذي يمكن أن يوجد في غير الأنبياء، مع أنّه لا يمكن إنكار أنّ هذا التعبير يوحي بالنبوّة أكثر.
ثم تضيف الآيات قائلةً: قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٣) إذ إنّ الظالمين ينالون عقابهم في الدنيا وفي الآخرة وتستمر الآيات بقوله تعالى: مِنْ أَمْرِنا يُسْراً حيث سنعامله بأسلوب حسن، ونخفّف عنه الأعباء
الثقيلة ونمتنع عن جباية الخراج والضرائب المرهقة منه.
وكأنّ هدف ذي القرنين من هذا الكلام إشارة إلى أنّ الناس ينقسمون إلى مجموعتين مقابل الدعوة إلى التوحيد والإيمان ومحاربة الظلم والشرك والفساد وهما:
الأولى: من يقبلون برنامجي الإلهي البنّاء، وسوف ينالون بالتأكيد جزاء حسناً ويعيشون في أمن وأمان.
أما الثانية: من يقفون أمام دعوتي ويتخذون مواقف عدائية تجاهها ويستمرون في ظلمهم وفسادهم وسوف يتلقون العقاب.
ويعلم من المقابلة من قوله: مَنْ ظَلَمَ وقوله: مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً أنّ الظلم في هذه الآية بمعنى الشرك والعمل غير الصالح، والتي تعتبر من الثمار المرة لشجرة الشرك.
واستمر ذو القرنين في سفره إلى الغرب، ثم عزم على التوجه إلى الشرق، بشكل يعبر عنه القرآن الكريم كما يلي: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً* حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْم لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً وقد كان هؤلاء القوم في مرحلة بدائية من الحياة الإنسانية يعيشون عراة أو شبه عراة لا تغطّي أجسادهم إلّا ما يكفيهم قليلًا للستر من الشمس، واحتمل بعض المفسّرين أنّهم كانوا يفتقرون إلى المآوي التي تقيهم من الشمس (٤).