مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٦٢٦ - المعنى
(١) - بدل من قوله «كُلاًّ» أي نمد كل واحد من هؤلاء و هؤلاء.
المعنى
«وَ إِذََا أَرَدْنََا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنََا مُتْرَفِيهََا فَفَسَقُوا فِيهََا» لما لم يجز في العقول تقديم إرادة العذاب على المعصية لأنه عقوبة عليها و يستحقه لأجلها فمتى لم توجد المعصية لم يحسن فعل العقاب و إذا لم يحسن فعله لم تحسن إرادته اختلفوا في تأويل الآية و تقديرها على وجوه (أحدها) إن معناه و إذا أردنا أن نهلك أهل قرية بعد قيام الحجة عليهم و إرسال الرسل إليهم أمرنا مترفيها أي رؤساءها و ساداتها بالطاعة و اتباع الرسل أمرا بعد أمر نكرره عليهم و بينة بعد بينة نأتيهم بها إعذارا للعصاة و إنذارا لهم و توكيدا للحجة ففسقوا فيها بالمعاصي و أبوا إلا تماديا في العصيان و الكفران «فَحَقَّ عَلَيْهَا اَلْقَوْلُ» أي فوجب حينئذ عليها الوعيد «فَدَمَّرْنََاهََا تَدْمِيراً» أي أهلكناها إهلاكا و إنما خص المترفين و هم المنعمون و الرؤساء بالذكر لأن غيرهم تبع لهم فيكون الأمر لهم أمرا لأتباعهم و على هذا فيكون قوله «أَمَرْنََا مُتْرَفِيهََا» جوابا لإذا و إليه يؤول ما روي عن ابن عباس و سعيد بن جبير أن معناه أمرناهم بالطاعة فعصوا و فسقوا و مثله أمرتك فعصيتني و يشهد بصحة هذا التأويل الآية المتقدمة و هي قوله «مَنِ اِهْتَدىََ» فإنما يهتدي لنفسه إلى قوله «وَ مََا كُنََّا مُعَذِّبِينَ حَتََّى نَبْعَثَ رَسُولاً» (و ثانيها) إن قوله «أَمَرْنََا مُتْرَفِيهََا» من صفة القرية و تقديره و إذا أردنا أن نهلك قرية صفتها أنا كنا قد أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فلا يكون لإذا جواب ظاهر في اللفظ للاستغناء عنه بما في الكلام من الدلالة عليه و نظيره قوله سبحانه «حَتََّى إِذََا جََاؤُهََا وَ فُتِحَتْ أَبْوََابُهََا» إلى قوله «فَنِعْمَ أَجْرُ اَلْعََامِلِينَ» فلم يأت لإذا جواب في طول الكلام للاستغناء عنه بما في الكلام من الدلالة و مما يشهد بصحة ذلك قول الهذلي :
حتى إذا سلكوهم في قتائدة # شلا كما تطرد الجمالة الشردا
فحذف جواب إذا لأن هذا البيت آخر القصيدة (و ثالثها) إن الآية محمولة على التقديم و التأخير و تقديرها إذا أمرنا مترفي قرية بالطاعة فعصوا أردنا إهلاكهم و مما يمكن أن يكون شاهدا لهذا الوجه قوله «وَ إِذََا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ اَلصَّلاََةَ فَلْتَقُمْ طََائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ» و قيام الطائفة معه يكون قبل إقامة الصلاة لأن إقامتها هي الإتيان بجميعها على الكمال و كذلك قوله «إِذََا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاََةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ» و الطهارة إنما تجب قبل