تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٩ - ٢- لما ذا كل هذا الحرص على اطالة عمره؟

و الحق، لأن من ينشأ في ظل حضارة راسخة، تعمر الدنيا بسلطانها و قيمها و افكارها، يعيش في نفسه الشعور بالهيبة تجاهها لأنه ولد و هي قائمة، و نشأ صغيرا و هي جبارة، و فتح عينيه على الدنيا فلم يجد سوى أوجهها المختلفة، و خلافا لذلك شخص يتوغل في التاريخ عاش الدنيا قبل أن تر تلك الحضارة النور، و رأى الحضارات الكبيرة سادت العالم الواحدة تلو الأخرى ثم تداعت و انهارت، رأى ذلك بعينيه و لم يقرأه في كتاب تاريخ ثم رأى الحضارة التي يقدّر لها أن تكوّن الفصل الأخير من قصة الانسان قبل اليوم الموعود، رآها و هي بذور صغيرة لا تكاد تتبين، ثم شاهدها و قد اتخذت مواقعها في احشاء المجتمع البشري تتربص الفرصة لكي تنمو و تظهر، ثم عاصرها و قد بدأت تنمو و تزحف و تصاب بالنكسة تارة و يحالفها التوفيق تارة اخرى، ثم واكبها و هي تزدهر و تتعملق و تسيطر بالتدريج على مقدّرات عالم بكامله، فان شخصا من هذا القبيل عاش كل هذه‌