بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩٤ - الإشكال الثالث على المحقق العراقي
و إذا اتضح كل الذي قدمناه يتضح الجواب عن الإشكالات التي أثيرت في المقام- و إنما أتينا على ذكر ما تقدم من اعتبار المنشئية بلحاظات الموضوع المختلفة، باعتبار كونه علة مادية و فاعلية و غائية، لأن هناك من أنكر وجوب البحث عن العوارض الذاتية للموضوع كالمحقق الأصفهاني حيث قال [١]: لما ذا يجب أن يبحث في العلم عن العوارض الذاتية لموضوع ذلك العلم، و أنكر وجوب ذلك في العلم. و كذلك السيد الأستاذ- دام ظله- ذكر أنه لا يلزم أن يبحث في العلم عن العوارض الذاتية لموضوع العلم [٢]، بل و لا لموضوع المسألة نفسها أيضا، و يمكن عقد مسألة يكون محمولها عرضا غريبا لموضوعها و يبحث عنه و لا مانع من ذلك.
هذا الكلام جوابه يتضح في مجموع أمرين:
أ- هو أن المقصود من الذاتية في العوارض الذاتية هو في المنشئية و العلية كما أوضحناه.
ب- هو أن أولئك الذين قالوا بشرط أن يبحث في العلم عن العوارض الذاتية، يقصدون بذلك البحث البرهاني خاصة- يعني حينما يراد أن يكون العلم علما برهانيا لا بد أن يكون البحث عن العوارض الذاتية، لا أنه كلما وقع بحث، و لو بنحو الجدل، أو الخطابة، أو السفسطة، لا بد و أن يكون البحث بحثا عن العوارض الذاتية. بل كلما أريد العلم الحق، و هو العلم البرهاني في نظر المنطق الأرسطي، حينئذ لا بد و أن يكون البحث بحثا عن العوارض الذاتية.
إذا اتضح ما هو مقصودهم في المقام، حينئذ يمكن توجيهه و ذلك بأن العلم بثبوت المحمول للموضوع يكون على نحوين:
النحول الأول: أن نعلم بثبوت المحمول للموضوع، و لكن مع العلم باستحالة أن لا يكون ثابتا له. مثلا: نعلم بأن زيدا فقير، لكن لا نعلم بأن زيدا
[١] نهاية الدراية: مجلد ١ ص ٣.
[٢] أجود التقريرات هامش ص ٥- ٦.