بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩٣ - الإشكال الثالث على المحقق العراقي
للعرض، مع فرض تمامية سائر الأجزاء- مادة النبات- و هذا تقدم توضيحه فيما سبق.
و نضيف إلى ذلك و نقول: بأنّ المنشئية قد تكون بلحاظ كون الموضوع منشأ و علة غائية للعرض، فإنّ العلة الغائية أيضا لها منشئية بالنسبة إلى معلولها.
فإذا فرضنا أن هناك مجموعة من التدبيرات الكونية لجسم الإنسان، فهذه التدبيرات الكونية لجسم الإنسان كلها لها علة غائية واحدة و هي صحة الإنسان- كون مزاجه بالنحو الفلاني المسمى بالصحة- إذن هذه الصحة هي علة غائية لمجموع هذه التدبيرات الطبيعية التي تكون موجبة للصحة، و محققة للصحة.
في هذا المقام أيضا يكون للصحة منشئية لهذه التدبيرات و لهذه العوارض، لكن منشئية الصحة لهذه التدبيرات ليست على نحو العلة الفاعلية، بل على نحو العلة الغائية، و لهذا تكون متأخرة عن هذه التدبيرات وجودا كما هو شأن العلة الغائية، فإنّ العلة الغائية متأخرة وجودا عن معلولها بحسب الخارج، لكن لها نحو من المنشئية بتلك التدبيرات و العوارض التي تكون العلة الغائية منها هي الصحة، و بهذا يعرف معنى قولنا فيما سبق: إنه إذا كانت مجموعة من العوارض و المحمولات مؤثرة في غرض واحد من قبيل محمولات علم الطب المؤثرة في غرض واحد و هو صحة الإنسان، فحينئذ يمكن أن يجعل نفس هذا الغرض الواحد، و هو صحة الإنسان، موضوعا للعلم، و يكون البحث عن عوارضه الذاتية بلسان البحث عن أسبابه و مقدماته و موانعه.
و يتضح معنى هذا الكلام باعتبار أن الصحة إذا كانت علة غائية لمجموعة من الأحوال و التدبيرات، إذن فهذه العلة الغائية لها المنشئية لتلك الأحوال و التدبيرات، فتكون تلك الأحوال و التدبيرات بمثابة الأعراض الذاتية لها، لأن الميزان في ذاتية العرض هو المنشئية كما سبق، و المنشئية كما تتصور في العلة الفاعلية، كذلك تتصور في العلة الغائية، فيصح أن يجعل علة غائية- ما- في الطبيعة موضوعا لعلم، و يبحث في ذلك العلم عن أسباب تلك العلة في الخارج، لأن أسبابها عوارض ذاتية لها، بمعنى المنشئية، باعتبار أن العلة الغائية لها نحو من المنشئية لمعلولاتها.