بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٨٨ - الإشكال الثالث على المحقق العراقي
المادة هي بنفسها علة بنحو من الأنحاء، و بمعنى من المعاني للعرض أيضا، و لكن هذه العلة طبعا ليست علة تامة. مثلا- الخشب مادة للسرير- الخشبية علة مادية للسريرية، لكن لا يكفي من أجل أن يصير الخشب سريرا أن يكون خشبا، بل لا بد و أن ينضم إلى ذلك، العلة الفاعلة و العلة الغائية- يأتي نجار، و يقصد أن يصنع سريرا من أجل النوم.- حينئذ يتحوّل هذا الخشب إلى سرير. فهي علة مادية بمعنى كونها بالإمكان و القبول، دون أن تستتبع حتما وجود السرير، و حينذاك لا يكون العرض عرضا ذاتيا بالنسبة إلى المادة، لأن المادة لا تستتبع ذلك العرض، و إنما هي محل له، فلو أردنا أن نؤسس علما نجعل موضوعه الخشب مثلا، فليس السريرية عرضا ذاتيا بالنسبة إلى ذلك الخشب، لأن مادة الخشب و إن كانت علة مادية للسريرية بمعنى أنها حامل السريرية، و لكنها لا تستتبع السريرية بل هي بالإمكان من ناحية السريرية.
نعم قد يتفق أن تكون المادة سنخ مادة يكون فرضها في الخارج منطويا دائما و مساوقا دائما لفرض تمامية الفاعل و الغاية أيضا، بحيث يكون فرض المادة في الخارج مساوقا لفرض الفاعل و الغاية أيضا من قبيل النبات- فمادة النبات- يعرض له أعراض من الموت، و الحياة، و التغذية، و النمو و نحو ذلك.
لو أسّسنا علما نبحث فيه عن هذه المادة المخصوصة لبحثنا عن هذه الأعراض لأنها أعراض ذاتية للمادة، و إن كان بحسب الحقيقة فاعل هذه الأعراض فاعل فوق الطبيعة. و ليست المادة هي فاعلة النمو، و التغذية، و التوليد، و الموت، و الحياة، و نحو ذلك، فما هو الفاعل لهذه الأعراض- فاعل غير طبيعي هو فوق الطبيعة.
و لكن حيث أن فرض هذه المادة المستعدة خارجا مساوق تمامية المطلب، لأن الفاعل لا قصور فيه من حيث أنه فاعل، و إنما ينتظر فقط لفرض أن تكون المادة مستعدة، و بمجرد أن تكون المادة مستعدة تفاض عليها أعراضها من الموت، و الحياة، و النمو، و غيره، ففي مثل ذلك يكون العرض عرضا ذاتيا بالنسبة إلى المادة، لأن المادة تستتبع العرض و لو باعتبار أن فرضها في الخارج مساوق لفرض تمامية سائر الجهات، و لا نريد بكون شيء عرضا ذاتيا لشيء