التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٦٨ - قوله تعالى
الذين لايؤمنون " أنه يجعل الرجس على هؤلاء كما يجعل ضيق الصدر في قلوب أولئك وان كل ذلك على وجه الاستحقاق. ولايجوز أن يكون المراد بالاية ان الله تعالى يجعل سبب الايمان الذي يكون به الايمان، وسبب الكفر الذي يكون به الكفر، وانهما جميعا من فعل الله على مايقوله المجبرة، وذلك أن الله تعالى أنزل القرآن حجة له على عباده، لا حجة للعباد عليه، فلوكان كما قالوه لكانت الحجة عليه لاله على انه لايجوز أن يكون في كلام الله تعالى مناقضة، وقد ذكره الله تعالى في مواضع أنه هدى للكفار نحوقوله " وأما ثمود فهديناهم فاستحقوا العمى على الهدى " [١] وقال " وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة " [٢] وقال " ومامنع الناس أن يؤمنوا اذ جاءهم الهدى " [٣] وقال " قدجاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها " [٤] فبين بجميع ذلك انه تعالى هدى الكفار كماهدى المؤمنين، فكيف ينفي ذلك في موضع آخر، وهل ذلك الا مناقضة وكلام الله منزه عنها؟ ! ومتى حملنا الايات على ماقلناه ووفقنا بينها لم يؤد إلى المناقضة ولاالتضاد، ويقوي ذلك ان الله اخبر انه يجعل قلب الكافر ضيقا حرجا ونحن نجد كثيرا من الكفار غير ضيقي الصدر بماهم فيه من الكفر بل هم في غاية السرور والفرح بذلك، فكيف يقال ان الله تعالى ضيق صدورهم بالكفر؟ ! ولايلزمنا ذلك اذا قلنا ان الله يفعل ذلك بهم على وجه العقوبة لانه تعالى اذاكان يفعل بهم ذلك عقوبة يجوز أن يفعل بهم ذلك اذا أراد عقابهم لافي جميع الاحوال، ولايلزم ان يجدوا نفوسهم على ذلك في كل وقت. وأيضا فان سبب القبيح لايكون الا قبيحا فعلى هذا سبب الكفر يجب ان يكون قبيحا، لانه موجب له لايصلح لضده من الايمان، لانه لوصلح لذلك لم يكن سببا، والله تعالى لايفعل
[١] سورة ٤١ حم السجدة آية ١٧ [٢] سورة ٩٠ البلد آية ١٠ - ١١ [٣] سورة ١٧ الاسرى آية ٩٤ وسورة ١٨ الكهف آية ٥٦ [٤] سورة ٦ الانعام آية ١٠٤