التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٨٤ - قوله تعالى
منه قبيحا.
فان قيل: ظاهر الايات يدل على ان ابراهيم ماكان رأى هذه الكواكب قبل ذلك، لان تعجبه منها تعجب من لم يكن رآها، فكيف يجوز ان يكون إلى مدة كمال عقله لم يشاهد السماء ومافيها من النجوم؟ ! قلنا: لايمتنع ان يكون مارأى السماء الا في ذلك الوقت، لانه روي أن أمه ولدته في مغارة لايرى السماء، فلماقارب البلوغ وبلغ حد التكليف خرج من المغارة ورأى السماء وفكر فيها. وقد يجوز أيضا ان يكون رآها غير انه لم يفكر فيها ولانظر في دلائلها، لان الفكر لم يكن واجبا عليه، فلماكمل عقله وحركته الخواطر فكر في الشئ الذي كان يراه قبل ذلك ولم يكن مفكرا فيه.
والوجه الثالث - ان ابراهيم لم يقل ماتضمنته الايات على وجه الشك ولافي زمان مهلة النظر بل كان في تلك الحال عالما بالله وبما يجوز عليه، فانه لايجوز ان يكون بصفة الكوكب، وانما قال ذلك على سبيل الانكار على قومه والتنبيه لهم على ان مايغيب وينتقل من حال إلى حال لايجوز ان يكون إلها معبودا، لثبوت دلالة الحدث فيه. ويكون قوله " هذاربي " محمولا على أحد وجهين.
احدهما - أي هو كذلك عندكم وعلى مذهبكم كما يقول احدنا للمشبه على وجه الانكار عليه: هذا ربي جسم يتحرك ويسكن وان كان عالما بفساد ذلك.
والثاني - أن يكون قال ذلك مستفهما وأسقط حرف الاستفهام للاستغناء عنه، كما قال الاخطل:
كذبتك عينك أم رايت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا [١]
وقال آخر:
[١] ديوانه ٤١، وقد مر في ١: ٤٠٣، ٤٧٥