التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٧٠ - قوله تعالى
الثاني - الاكراهة أن تكونا ملكين.
فإن قيل كيف يموه عليهما أن الاكل من الشجرة يوجب الانقلاب من صورة البشرية إلى صورة الملائكة أو يوجب الخلود في الجنة؟ ! قلنا: عن ذلك جوابان:
احدهما - أنه أوهم أن ذلك في حكم الله في كل من أكل من تلك الشجرة.
الثاني - أنه أراد إلا أن تكونا بمنزلة الملائكة في علو المنزلة.
واستدل جماعة من المعتزلة بهذه الاية على أن الملائكة أفضل من البشر، والانبياء منهم. وهذا ليس بشئ، لانه لم يجر ههنا ذكر لكثرة الثواب وأن الملائكة أكثر ثوابا من البشر بل كان قصد إبليس أن يقول لادم مانهاك الله عن أكل الشجرة إلا أن تكونا ملكين، فإن كنتما ملكين فقدنهاكما، وحيث لستما من الملائكة فما نهاكما الله عن أكلها، وتلخيص الكلام أن المنهي من أكل الشجرة هم الملائكة فقط، ومن ليس منهم فليس بمنهي، ولاتعلق لذلك بكثرة الثواب ولابقلته وعلى قول من كسر اللام لام متعلق في الاية ولاشبهة.
والشجرة التي نهي عنهاآدم، قال قوم هي الكرمة، وقال آخرون هي السنبلة. وقيل فيه أقوال غيرهما ذكرناها في سورة البقرة [١].
قوله تعالى:
وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين [٢٠] آية بلاخلاف.
المقاسمة لاتكون إلا بين اثنين، والقسم كان من ابليس لادم، لان آدم مقسم له. وانما قال وقاسمهما كما يقال: عاقبت اللص طارقت النبل وناولت الرحل وعافاه الله، وكذلك قاسمته، لان في جميع ذلك معنى المقابلة، كأنه قابله في المنازعة باليمين والمعاقبة مقابلة بالجزاء وكذلك المعافاة، وقال الهذلي:
وقاسمها بالله جهدا لانتم * ألذ من السلوى اذا ما نشورها [٢]
[١] في تفسير آية ٣٥ المجلد ١ / ١٥٨، ١٦٢ [٢] ديوان الهذليين ١ / ١٥٨ وتفسير الطبري ١٢ / ٣٥٠