بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٦٤
وأما قوله تعالى : «ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون» فلا تعلق لهم بظاهره ، لان السمع ليس بمعنى فيكون مقدورا ، لان الادراك على المذهب الصحيح ليس بمعنى ، ولو ثبت أنه معنى على ما يقوله أبوعلي لكان أيضا غير مقدور للعبد من حيث اختص القديم تعالى بالقدرة عليه. هذا إن أريد بالسمع الادراك ، وإن أريد به نفس الحاسة فهي أيضا غير مقدورة للعباد لان الجواهر وما تختص به الحواس من البينة والمعاني ليصح به الادراك مما ينفرد القديم تعالى بالقدرة عليه[١] فالظاهر لا حجة لهم فيه.
فإن قالوا : ولعل المراد بالسمع كونهم سامعين ، كأنه نفى عنهم استطاعة أن يسمعوا. قلنا : هذا خلاف الظاهر ، ولو ثبت أن المراد ذلك لحملنا نفي الاستطاعة ههنا على ما تقدم ذكره من الاستثقال وشدة المشقة كما يقول القائل : فلان لا يستطيع أن يراني ، ولا يقدر على أن يكلمني ، وما أشبه ذلك ، وهذا بين لمن تأمله. [٢]
وقال ٢ : إن سأل سائل عن قوله تعالى : «قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون» [٣] فقال : أليس ظاهر هذا القول يقتضي أنه خالق لاعمال العباد؟ لان «ما» ههنا بمعنى «الذي» فكأنه قال : خلقكم وخلق أعمالكم.
قلنا : قد حمل أهل الحق هذه الآية على أن المراد بقوله : وما تعملون أي وما تعملون فيه من الحجارة والخشب وغيرهما مما كانوا يتخذونه أصناما ويعبدونها ، قالوا : وغير منكر أن يريد بقوله : وما تعملون ذلك ، كما أنه قد أراد ما ذكرناه بقوله : «أتعبدون ما تنحتون» لانه لم يرد أنكم تعبدون نحتكم الذي هو فعل لكم بل أراد ما تفعلون فيه النحت ، كما قال تعالى في عصا موسى ٧ : «تلقف ما يأفكون» [٤] وتلقف ما
[١]هكذا في النسخ ولكن الصحيح كما في الامالى المطبوع : لا يصح بها الادراك فانه مما ينفرد به القديم تعالى بالقدرة عليه.
[٢]يوجد ذلك كله في كتابه الامالى المسمى بالغرر ، في ج ٤ ص ٧١ ـ ٧٤ ويوجد بعده في ص ١٤٣ _ ١٤٦من هذا المجلد.
[٣]الصافات : ٩٤ و ٩٥.
[٤]الاعراف : ١١٧.