بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ١٨٩
من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ، وإذا قلنا : أنه وصف حالهم في الآخرة فالكلام على حقيقته ، ويكون عبارة عن ضيق المكان في النار بحيث لا يجدون متقدما ولا متأخرا إذ سد عليهم جوانبهم ، وإذا حملناه على صفة القوم الذين هموا بقتل النبي ٩ فالمراد جعلنا بين أيدي اولئك الكفار منعا ومن خلفهم منعا حتى لم يبصروا النبى صلى الله عيله وآله ، وقوله : «فأغشيناهم فهم لا يبصرون» أي أغشيناهم أبصارهم فهم لا يبصرون النبي ٩. وقيل : أي فأعميناهم فهم لا يبصرون الهدى. وقيل : فأغشيناهم بالعذاب فهم لا يبصرون في النار ، وقيل : معناه أنهم لما انصرفوا عن الايمان والقرآن لزمهم ذلك حتى لا يكادوا يتخلصون منه بوجه كالمغلول والمسدود عليه طرقه.
وقال في قوله تعالى : «ومن يضلل الله» أي عن طريق الجنة «فماله من هاد» أي لا يقدر على هدايته أحد ، وقيل من ضل عن الله ورحمته فلا هادي له ، يقال : أضللت بعيري إذا ضل. وقيل : معناه : من يضلله عن زيادة الهدى والالطاف لان الكافر لا لطف له. وقال في قوله تعالى : «أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين» أي كراهة أن تقول : لو أراد الله هدايتي لكنت ممن يتقي معاصيه. وقيل : إنهم لما لم ينظروا في الادلة واشتغلوا بالدنيا توهموا أن الله لم يهدهم فرد الله عليهم بقوله : «بلى قد جائتك آياتي» الآية. وقال الزمخشري : «وقيضنا له» : وقدرنا لهم ، يعني لمشركي مكة «قرناء» أخدانا[١] من الشياطين من جمع قرين كقوله : «ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين» [٢]
فإن قلت : كيف جاز أن يقيض لهم القرناء من الشياطين وهو ينهاهم عن اتباع خطواتهم؟ قلت : معناه أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر ، فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين ، والدليل عليه ومن يعش نقيض.
«ما بين أيديهم وما خلفهم» ما تقدم من أعمالهم وما هم عازمون عليها ، أوما بين أيديهم
[١]جمع الخدن بكسر الخاء وسكون الدال : الحبيب والصاحب.
[٢]الزخرف : ٣٦.