أعيان الشيعة - الأمين، السيد محسن - الصفحة ٤٢٤ - فضلي بن فضولي بابا فغاني الشاعر الفنائي المشهود فناخسرو عضد الدولة البويهي
الماء فيها فعرفت بقناة عضد الدولة أو قناة آل بويه كما بنى المهدم منها وأحكمها أشد من الأول وبقيت قرونا طوالا تسقي النجف وأهلها بأعذب الماء. وبالإضافة إلى ذلك فقد أراد عضد الدولة أن يجري الماء من الفرات إلى النجف تحت الأرض لأن أرض النجف مرتفعة لا يمكن أن يصل الماء إليها على وجه الأرض فحفر إلى جهة الشمال، فنبعت في أثناء الحفر عين منعت من مواصلة الحفر لكن ماءها ليس بشروب فاكتفى بها للانتفاع بها بغير الشرب وساق ماءها إلى آبار عميقة محكمة البناء ووصل بينها بقنوات محكمة يسير فيها الفارس فيجري الماء من بئر إلى بئر ثم يخرج منه إلى جهة المغرب.
إقامة المشهد الحسيني وعنايته بكربلا ولم يكن اهتمام عضد الدولة بمشهد الإمام الحسين ع بالحائر بأقل من مشهد أبيه ع في النجف، فإنه جدد حرم الحسين ع على أنقاض ما كان قد بني من قبل وبنى حوله أروقة متناسقة منتظمة وشيد على القبر المطهر قبة على شكل دائرة واتخذ حوله مسجدا وبنى بجانبه دورا للسكن ووسع الحائر وكسا الصندوق الموجود على القبر المطهر بالخشب الساج ووضع عليه الديباج والطنافس الحريرية وأنار القبر بالقناديل المذهبة وأوقف له موقوفات كثيرة. وفي زيارته للمشهد الحسيني لبضع بقين من جمادى الأول سنة ٣٧١ كما ذكر مؤلف فرحة الغري وضع في الصندوق دراهم فرقت على العلويين فأصاب كل منهم ٣٢ درهما وكان عددهم ١٢٠٠ اسم وتبرع بعشرة آلاف درهم وزعت على العوام والمجاورين وفرق على أهل الحائر مائة ألف رطل من التمر والدقيق و ٥٠٠ قطعة من الثياب وأعطى الناظر عليهم ألف درهم، وقد أكمل هذا لبناء في شهر جمادى الأول سنة ٣٧١ بعد عمل دام ثلاث سنوات حيث كان قد بدأ به عام ٣٦٩ وبقيت هذه العمارة على المشهد الحسيني حتى سنة ٤٠٧ عندما احترق مشهد الحسين ع في ربيع الأول من هذه السنة وكان السبب في ذلك إن القوام أشعلوا شمعتين كبيرتين فسقطتا في جوف الليل على التأزير فاحترقتا. وقال الخواجة حميد الدين في تاريخه: إن عضد الدولة عثر على كنوز مملوءة بالذهب والفضة فصرفها كلها على تعمير المشهدين الحسيني والعلوي في كربلاء والنجف كذا.
هذا وكان عضد الدولة يزور كل سنة المشهدين الحسيني والعلوي مدة حكمه في بغداد مؤديا الزيارة لهما وليشرف بنفسه على البناء والعمران في المشهدين المقدسين وشؤون السكان وخاصة العلويين منهم.
أما بالنسبة للمدينة كربلاء فقد وجه عضد الدولة عناية فائقة نحو تمصيرها وتوسيعها حتى بنى لها سورا عاليا قدرت مساحته آنذاك ٢٤٠٠ قدم وشق لها قناة لسقي أهاليها فباتت كربلاء على عهده زاهرة عامرة، وأنشأ حول المرقد المقدس العمارات والخانات وبالغ في تشييد الأبنية حول المشهد وأسكنها كثيرا من القبائل العربية والبيوتات العلوية وغيرهما من الموالين لآل البيت ع، وأخذت المدينة بالتوسع شيئا فشيئا حتى تلاصقت العمارات بتوالي الأيام وقد بلغ عدد سكان المدينة في أواخر أيام عضد الدولة ٢٢٠٠ نسمة من العلويين عدا غيرهم من المسلمين، وكانت المدينة هذه تضم بين جدران سورها ثلاثة أحياء يدعى الأول محلة آل فايز والثاني محلة آل زحيك والثالث محلة آل عيسى نسبة إلى الأسر العلوية التي كانت تسكنها.
وقد دافع عضد الدولة عن كربلاء بجيوشه مرارا عديدة حيال هجمات المعتدين. من ذلك أن ضبة بن محمد الأسدي العيني الذي كان قد حكم مدينة عين التمر شفاثا حاليا الواقعة غربي كربلاء مدة ٣٢ سنة والذي هجاه المتنبي قد أغار عام ٣٦٩ على مدينة كربلاء ونهبها وحمل أهلها أسارى إلى قلعته في عين التمر فبلغ الخبر إلى عضد الدولة وهو في بغداد فمشى إليه بجيش يقارب ا ١٠ آلاف فارس وهاجم عين التمر وحاصر القلعة التي ألقى ضبة نفسه وجواده من أعلى سورها وترك أهله وماله فيها فتحطم جواده وتهشم ونجا هو بنفسه وولى هاربا مع بعض حاشيته إلى البادية. فاستولى عضد الدولة على القلعة وأخذ أهلها إلى كربلاء ووهبهم لخدمة المشهد الحسيني ع كما ارجع إلى كربلاء أهلها وكل ما كان قد سلب منهم وعين أحد العلويين رئيسا لعين التمر لرعاية شؤونها. وقد كان ذلك يوم الجمعة لليلتين خليتا من ذي الحجة سنة ٣٦٩.
هذا وقد ازدهرت كربلاء في عهد عضد الدولة وتقدمت معالمها الدينية والسياسية والاقتصادية فاتسعت تجارتها وتقدمت زراعتها وأينعت علومها وآدابها وتخرج خلال ذلك منها علماء فطاحل وشعراء مجيدون.
عنايته بمشهد الكاظميين ومشهد العسكريين ولم يترك عضد الدولة مشهد الامامين الجوادين في مقابر قريش بضواحي بغداد من العناية والاهتمام فإنه كان يزور قبريهما الطاهرين في كل شهر مرة على الأقل مع أفراد حاشيته ورجال جيشه. وقد بنى في عام ٣٦٧ سورا على ضريحي الامامين الهمامين ع وحول أبنية المشهد وقبتيه اللتين كان قد أقامهما عمه معز الدولة سنة ٣٣٦ على قبري الامامين موسى الكاظم ومحمد الجواد ع. كما زاد عضد الدولة من التعمير داخل المشهد وخارجه وأضاف إلى التزيينات والأضوية والفرش أضعافا مضاعفة. وعمر المساجد والأسواق التي كانت مقامة حول المشهد والتي تدمرت بتوالي الفتن والغرق في بغداد وضواحيها. وكان هذا المشهد وحواليه قد أصبحت شبه قرية عامرة.
وقام عضد الدولة بتعمير مشهد الامامين العسكريين في سامراء وخاصة عمارة الروضة والأروقة ووسع الصحن وشيد سورا للبلد الذي أخذ بالاتساع وكان ذلك عام ٣٦٨.
وفاة عضد الدولة وقبره توفي عضد الدولة ببغداد يوم الاثنين الثامن من شهر شوال سنة ٣٧٢ عن ٤٧ سنة و ١١ شهرا وثلاثة أيام بعلة ما انتابه من مرض الصرع فضعفت قوته عن دفعه فخنقه ومات. ودفن بدار الملك في بغداد ثم نقل أوائل سنة ٣٧٣ إلى مشهد أمير المؤمنين ع في النجف بناء على وصيته حيث دفن تحت قدمي الامام ع، وقد نقل عنه أنه حينما وافته المنية ردد ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه كما كان قد أوصى أن تنحت على صخرة قبره وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد فنفذت هذه الوصية، كما