التعليقات - ابن سينا - الصفحة ١٩١ - الفرق بين تعقل الواجب و تعقل غيره
الحس، و إلا كان يتسلسل، لأنه لو كان يجب أن يتكرر ذلك الأثر فى الحس حتى يصير حسا، لكان الكلام فى الأثر الثاني كالكلام فى الأثر الأول، و كذلك يستمر الكلام إلى ما لا نهاية. فإذن واجب الوجود عقله ما هو معقول، و كذلك كل مجرد عن المادة، و كل ذلك هو الوجود المجرد عن المادة.
كل ما كان وجوده لذاته، فوجوده معقوليته. كل ما كان وجوده لغيره فوجود معقوليته لغيره.
و لما كان واجب الوجود مبدءا لجميع الموجودات على ترتيب الموجودات، و كان عاقلا لحقيقة ذاته، كان أيضا للوازمه، لأن ما يعقل شيئا بالحقيقة فإنه يعقل (لا غير) لوازمه. و وجود لوازمه أيضا هو معقوليتها، فلا يجوز أن يقال إنه عقلها فوجدت، و لا أنها وجدت فعقلها، و إلّا كان يلزم محالان: أحدهما أنه يتسلسل إلى ما لا نهاية، فإنه كان يسبق كل وجود لازم، عقل واجب الوجود له، و كل عقل واجب الوجود لتلك اللوازم، وجودها.
علة وجود لوازمه عقليته لها، فيجب أن تكون معقولة له قبل وجودها، فيجب أن تكون موجودة حتى يعقلها.
إن فرضنا أن تلك اللوازم يجب أن يكون وجودها غير معقوليتها، فيجب أن يسبق كل وجود معقولية، و كل معقولية وجود، فيتسلسل، فيقال: إنما صارت موجودة لأنه يسبقها التعقل، و إنما عقلها لأنه سبق عقليتها الوجود، إذ كان ما ليس بموجود ليس بمعقول. إذ كان يلزم أيضا محال آخر، و هو أنه إنما صارت تلك اللوازم معقولة لأنها موجودة و إنما صارت موجودة لأنها معقولة، فيلزم أن يكون عقلا، لأنه عقل.
فكان يلزم أن يكون علة وجودها وجودها، و علة معقوليتها معقوليتها، فكانت تصير معقولة لأنها معقولة و موجودة لأنها موجودة. فإذن يجب أن تكون نفس وجود هذه اللوازم نفس معقوليتها، كما أن نفس وجود الأول نفس معقوليته.
تلك اللوازم معلوميتها هى نفس وجودها لازمة للأول، و يعنى باللوازم معلوماته.
الوجود وجودان: عقلى و حسّى، و العقليات نفس معقوليتها وجودها، و الحسيات نفس محسوسيتها وجودها.